حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنك تراها (6)

  • 63

يوم الاثنين الثاني عشر من رمضان - الثامن من أكتوبر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد مضي نصف قرن هجري من الزمان على حرب العاشر من رمضان 1393 إلى رمضان 1443 هـ - السادس من أكتوبر، رَحَل -أو يكاد- مَن حضروا هذه الحرب أو عاصروها؛ فلزم علينا أن نذكِّر الأجيال الجديدة بهذه الحرب المجيدة، وما قدَّم المصريون فيها مِن تضحياتٍ، وما بذلوه من جدٍّ واجتهاد في قوة تحمُّل وصبر، وإخلاص وصدق حقَّقوا به مجدًا كبيرًا في ظروف أسوأ وأصعب بكثيرٍ مِن الظروف التي نعاني منها حاليًا؛ إنها روح العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر التي نفتقدها الآن، ونحن أحوج ما نكون إليها.

كان يوم الاثنين الثاني عشر من رمضان - الثامن من أكتوبر محط أنظار الجميع، إسرائيل ومِن ورائها أمريكا وأوروبا في انتظار هجوم إسرائيل المضاد الكاسح بعد اكتمال تعبئة قوات الاحتياط؛ الهجوم الذي سيدمر -بلا شك عند قيادة الجيش الإسرائيلي- القوات المصرية ويجبرها على التقهقر إلى غرب القناة من جديد، فتتبعها القوات الإسرائيلية إلى غرب القناة فتحتل مدينتي: الإسماعيلية والسويس؛ لتنتهي المغامرة المصرية بفرض إسرائيل شروطها على مصر والعرب.  

أما مصر فكانت تعد العدة لصد الهجوم المضاد الكبير في إصرار على التمسك بما استعادته من أرض سيناء؛ دول كثيرة مِن العالم تحفظت على إعلان مواقفها من الحرب الدائرة انتظارًا لما ستسفر عنه المعارك المنتظرة يوم الثامن أكتوبر، بينما أوقف وزير الخارجية الأمريكي كيسنجر اجتماعًا عاجلًا لمجلس الأمن؛ انتظارًا لما سيسفر عنه يوم الثامن من أكتوبر.

 كانت الساعات من منتصف ليلة السابع من أكتوبر إلى صباح الثامن من أكتوبر مسرحًا لكثيرٍ من الاستعدادات؛ ففي إطار الانحياز الأمريكي التام لإسرائيل سياسيًّا وعسكريًّا كانت المشاركة الأمريكية في التخطيط للقتال وإمداد إسرائيل بالمعلومات، وهو ما كشف عنه الجنرال الإسرائيلي إليعازر الذي ذكر في مذكراته أن مسئولًا عسكريًّا أمريكيًّا كبيرًا وَصَل إلى إسرائيل في الثالثة من فجر يوم 8 أكتوبر بطائرة عسكرية خاصة حاملًا معه مجموعة من التقارير العسكرية مدعومة بمجموعةٍ من الصور الجوية عن المعارك التي جَرَت، وعن مواقع القوات المصرية غرب وشرق القناة، والتي التقطها القمر الصناعي الأمريكي، وكانت نصيحته شل فاعلية المدرعات المصرية واصطياد الطيران المصري.

وفي نفس الوقت أكَّدت المعلومات الواردة للقيادات المصرية ومن مصادر عِدَّة: أن الهجوم المضاد المتوقع سيبدأ صباح الثامن من أكتوبر، وأكَّدت التقارير من المخابرات أن الهجوم المضاد سيكون في نطاق (تبة الطالية) أحد النقاط الحاكمة في مواجهة الفرقة الثانية التي يقودها الجنرال حسن أبو سعدة، فتم وضع خطة المواجهة لهذا الأمر.

منذ إعلان التعبئة توافدت قوات الاحتياط الإسرائيلية على سيناء إلى أن اكتمل تشكيل ثلاث فِرَق مدرعة؛ عتادًا وأفرادًا، واحدة كانت موجودة قبل بدء الحرب، واثنتان بعد إعلان التعبئة، وهما: الفرقة 143 مدرعة بقيادة الجنرال احتياط (إرييل شارون)، والفرقة 162 مدرعة بقيادة الجنرال (إبراهام أدان)، أما القوة الثالثة فهي الفرقة 252 مدرعة بقيادة الجنرال (إبراهام مندلر) وهي كانت في سيناء من قبل الحرب، وكان قائدها مندلر قد صدر قرارًا بتعيينه قائدًا لسلاح المدرعات؛ إلا أن القرار لم يدخل حيز التنفيذ لاندلاع الحرب، وكان في اكتمال تعبئة احتياطي المدرعات تعويضًا لكل الدبابات التي خسرتها القوات الإسرائيلية خلال معارك يومي السادس والسابع من أكتوبر.

وأصبحت القوات المصرية من جديد في مواجهة ألف دبابة إسرائيلية مدعمة بكل إمكانيات الحرب الحديثة، ومجهزة تمامًا لتحقيق هدف العدو الرئيسي، وهي ملمة تمامًا بأوضاع القوات المصرية من خلال صور القمر الصناعي الأمريكي.

وقد عرضت خطة الهجوم المضاد على مجلس الحرب الإسرائيلي، ووافقت عليها رئيسة الوزراء جولدا مائير التي سخَّرت لها كل الإمكانيات المطلوبة لتنفيذها، وكانت الخطة تقضي بالهجوم على الجيش الثاني المصري في الشمال مع تثبيت الجيش الثالث في الجنوب، وفور نجاح هذا الهجوم تقوم القوات الإسرائيلية باختراق القوات المصرية والوصول على المعابر والعبور إلى الضفة الغربية للقناة، على أن يتم ذلك بعيدًا عن مواقع الصواريخ المصرية على الضفة الغربية.

وملخص خطة الهجوم المضاد: توجيه ضربة قوية للجانب الأيسر للجيش الثاني المصري واختراق تجمعاته من الشمال، ثم الاستيلاء على أحد كباري الجيش المصري والعبور عليها إلى الغرب، واستكمال تدمير القوات المصرية هناك. والفرقة 162 هي التي ستهاجم وتبقى فرقة شارون كاحتياطي عام في منطقة (الطاسة) على المحور الـوسط، وبعد نجاح الهجوم يهاجم شارون بالفرقة 143 الجانب الأيسر للجيش الثالث بنفس أسلوب الفرقة 162 مع الجيش الثاني، بينما تقتصر مهمة الفرقة 252 بقيادة مندلر على تثبيت الجيش الثالث وتكبيده خسائر كبيرة إلى أن يصل شارون فيشتركان معًا في الهجوم الرئيسي.

تأكد للجيش الثاني الذي يتابع تحركات العدو مع أول ضوء نهار الثامن من أكتوبر أن اتجاه الهجوم المضاد سيكون شمال الإسماعيلية في مواجهة الفرقة الثانية مشاة التي يقودها الجنرال حسن أبو سعدة، وكان قرار قائد الجيش الثاني اللواء سعد مأمون هو تدمير القوات المهاجمة، وتسخير كل الإمكانات النيرانية لمعاونة الفرقة الثانية في صدِّ الهجوم.

قامت خطة المواجهة للهجوم المضاد على استدراج قوات العدو على الدخول في جيب نيراني يتم إعداده ودفع العدو على الدخول فيه؛ لذلك تم عمل تنظيم دفاعي على هيئة آتون من النيران مكوَّن من أربعة أضلاع تركزت فيه كل أنواع الأسلحة المضادة للدبابات من صواريخ ومدافع (آر بي جي)، ودبابات موزعة في مساحة تبلغ 15 كيلو متر مربع، الضلع الأمامي لهذا المربع هو خط الدفاع الأول للفرقة الثانية مشاة، والأضلاع الثلاثة الأخرى أشبه بصندوق غطاؤه هو هذا الخط الأمامي، على أن يقوم خط الدفاع الأمامي بالسماح لقوات العدو المهاجمة باختراق خط دفاعه حتى دخول آخر دبابة للعدو داخل الصندوق، وبعدها يتم إغلاق الضلع الذي كان مفتوحًا، ويبدأ إطلاق النار على مؤخرة العدو وعلى كلِّ قواته داخل الصندوق المغلق مِن كلِّ جهات أضلاع آتون النيران الأخرى.

وكان هجوم العدو بتشكيل من الدبابات على شكل سهم وفي قوات متتابعة، وكان يؤمن هجومه بالطيران، وصدرت الأوامر إلى قائد الكتيبة في مواجهة العدو بالسماح للعدو بالاختراق حيث سيتم ضربه في الداخل، وكان صعبًا على قائد الكتيبة المقدم (إبراهيم زيدان) -والذي استشهد فيما بعد- السماح لدبابات العدو باختراق دفاعه بدون مقاومة، ولكنه امتثل للأوامر ونزل في الحفر مع رجاله، ومرت عشرات الدبابات في مشهد رهيب، أعداد كبيرة أصواتها مرعبة ومعها زئير الطائرات من فوقها يصحبها زوبعة مفزعة من الرمال، كانت مدرعات العدو تنطلق بسرعة عالية، وفي الوقت نفسه كانت القوات المصرية تضرب الطلقات على جانبي طريق الدبابات لمنع تفرقها في عدة طرق والإبقاء عليها متجمعة في طريق واحد.

جاوزت مدرعات العدو الخط الأمامي للقوات المصرية وتوغلت الدبابات لمسافة نحو ثلاث كيلومتر، ووقعت فعلًا في الكمين المعد لها، وبدأ إطلاق النار عليها من جميع الجهات، من الأمام ومن اليمين ومن اليسار، وشاركت كتيبة إبراهيم زيدان التي تركت الدبابات تخترقها في ضرب مؤخرة مدرعات العدو من الخلف، بعد أن تقدَّمت واتجهت نحوه فلم يكن هناك مجال للعدو للانسحاب، وفوجئت دبابات العدو بالنيران مفتوحة عليها من أربع جهات في وقت واحد، فكانت أكبر مذبحة للدبابات في التاريخ العسكري، انتهت بتدمير أكبر عدد من المدرعات في أقل زمن في التاريخ العسكري، وباء الهجوم المضاد بالفشل الذريع.

ولم تنتظر القوات المصرية تفقد نتيجة المعركة، بل سارعت على الفور بمجرد تدمير دبابات العدو إلى تطوير هجومها والاستيلاء على مركز قيادة العدو في (تبة الشجرة) الذي سرعان ما هرب منه جنوده.

وازدادت مأساة العدو في هذا اليوم بفشل الهجمات المتكررة طوال النهار حتى بعد القيام بسحب بعض القوات الإسرائيلية الموجودة في مواجهة الجيش الثالث لتعزيز الهجوم على الجيش الثاني، بل اضطرت القوات الإسرائيلية إلى التراجع للخلف أكثر، وازداد الأمر سوءًا بوقوع العقيد الإسرائيلي (عساف ياجوري) قائد الكتيبة 190 من اللواء 217 مدرع في الأسر، الذي شارك بكتيبته في هجوم مضاد صباحًا وخسر فيه بعض الدبابات، ثم شارك في الهجوم المضاد الرئيسي من اتجاه المحور الأوسط ظهرًا فأصيبت دباباته، واختبأ في حفرة صنعتها دانات المدافع والصواريخ، فلما تقدَّم إليه عدد من الجنود المصريين ألقى سلاحه رافعًا يديه مستسلمًا معرِّفًا بنفسه وبرتبته.

وقد كتب عساف ياجوري مقالًا بعد عودته إلى إسرائيل في جريدة (معاريف) الإسرائيلية في 7 فبراير 1975 يعبِّر فيها بأسى ومرارة عن الهزيمة التي نالته ورجاله، كتب يقول فيه: (لماذا تركوا صدورنا عارية على جبهة الفردان يوم الثامن من أكتوبر؟).    

وفي مساء يوم الثامن من أكتوبر أسقط رجال المشاة المصريون بقيادة العميد شفيق متري (تبة الطالية) والتي تعد من المواقع الإستراتيجية المهمة، وأحد مراكز قيادة العدو المجهزة، والتي تقع في منطقة حاكمة، وذلك بعد معارك طاحنة انتهت بفرار مدرعات العدو وسقوط التبة.

وقد حاول العدو في إصرار وعناد استعادة تبة الطالية بالكثير من الهجمات المضادة، لكنها فشلت جميعها، وقد شهدت تبة الطالية يوم 9 أكتوبر مقتل العميد شفيق متري دفاعًا عنها، وتسلَّم القيادة من بعده العميد (محمد علي الكسار) الذي واصل الاحتفاظ طوال المعارك بتبة الطالية مصرية.

وفي يوم الثامن من أكتوبر أيضًا قرَّر العدو أن يوجه ضربة عنيفة للقنطرة شرق باستخدام لواء مدرع تحرك من منطقة (رمانة) في اتجاه القنطرة شرق، وتمكنت وسائل الاستطلاع المصرية من رصد ذلك، وتم إبلاغ العميد فؤاد عزيز غالي قائد الفرقة 18 المتواجدة بالقنطرة بالموقف، فتم ترقب العدو عند نقطة ذات مكان مرتفع يطل على جبهة القتال يمكن منها تحديد الموقف وتقدير الوقت ومفاجأة العدو، وبالفعل فوجئت قوات العدو بقصف نيراني شديد أوقع الارتباك بين صفوفها، وسرعان ما ظهرت -وفي الوقت المناسب- طائراتنا لتضرب قوات العدو بعنفٍ، وكان نتيجة المعركة كما ذكر أحد الأسرى إبادة 70 % من هذا اللواء المدرع الإسرائيلي.

 قال العميد فؤاد غالي في حديث له: (كان مشهد الطيران المصري مثيرًا وممتعًا حقًّا، ولم يكتفِ طيار واحد بضربة واحدة... كان بعضهم يدور ثلاث دورات ويضرب ويضرب ويضرب). ولما سئل: ولماذا لم ينجح طيران العدو في حماية اللواء المدرع المهاجم؟ أجاب: (الملاحظة العامة أن طيرانه كان مهزوزًا في هذه المراحل الأولى من القتال بعد أن سقط منه الكثير).

وفي هذا اليوم تمت السيطرة أيضًا على نقطة قوية للعدو، وهي منطقة النقطة 57، والتي تقع على مسافة 8 كيلو متر من القناة جنوب غرب الطالية؛ فقد كان من تجهيزات العدو تجهيز نقط قوية في عمق دفاعاته بغرض الدفاع عن عمق سيناء، وسد الثغرات بين النقاط القوية الموجودة على القناة مباشرة؛ خاصة على المحاور والطرق الرئيسية المؤدية إلى قلب سيناء، وقد أقام العدو في مواجهة المحور الأوسط ثلاث نقاط قوية: في منطقة الشجرة على محور الإسماعيلية / أبو عجيلة، وفي منطقة الطالية، التي تم الاستيلاء عليها في اليوم الأول للهجوم، وفي المنطقة 57.

والنقطة 57 تتكون من تجهيزات هندسية حصينة محاطة بألغام وأسلاك شائكة تمنع الدخول إليها إلا من ثغرتين فقط: مرابض وحفر الدبابات، والمراكب والمدافع خارج النقطة، وخنادق مواصلات مكسوة بالصاج المعرج، وللنقطة برج داخلي للملاحظة به منظار ضخم، وفيها 8 حجرات لراحة الأفراد في كلٍّ منها سريران، وتتوفر بها الاتصالات التليفونية واللاسلكية، ومكدس بها الذخائر والمياه والتعيينات، وبها ماكينة كهرباء، وبجوارها موقع يتسع لسرية دبابات وسرية مدفعية ثقيلة من عيار 175 ميلليمتر ذاتية الحركة وموقع فصيلة مشاة.

وقد تم عمل إخفاء وتمويه ممتاز لموقع النقطة؛ لذا لم يظهر ولم يكتشف الموقع في الأيام الثلاثة الأولى من الحرب، ولكن أثناء استئناف القتال يوم الثامن من أكتوبر فتحت هذه النقطة النيران من الداخل والخارج على كتائب من النسق الأول لقواتنا بعد أن تجاوزتها لقطع خط الرجعة عليها، فاكتشفتها وتعاملت معها كتيبة مركبات مدرعات كانت تعمل في النسق الثاني فقامت بالاشتباك معها، ونجحت في تدمير دبابتين وثلاث عربات واحد ونصف طن، وفرت دبابة وعربة مدرعة، وتم السيطرة على النقطة واقتحمتها سرية مشاة واستولت عليها، وقد حاول العدو استرداد هذه النقطة الحيوية في يوم التاسع من أكتوبر أربع مرات ولم تنجح محاولاته، بل زادت خسائره.

حشد العدو في يوم الثامن من أكتوبر كل إمكانياته الجوية لتدعيم هجماته المضادة طوال النهار وفي الليل، واتسمت هجمات القوات الجوية الإسرائيلية ضد القوات المصرية والمعابر وحائط الصواريخ بالعنف والشراسة، وقد تميز مجهود العدو في هذا اليوم بأربع هجمات مركزة، ولكن دون جدوى، تخللتها هجمات متفرقة؛ بالإضافة إلى مهاجمة مدينة بورسعيد بهجمتين جويتين، وبعض الهجمات بطائرات مفردة أو في هيئة أزواج.

ولقد تمكَّن حائط الصواريخ في يوم الثامن من أكتوبر من تدمير 33 طائرة للعدو منها 38 مؤكدة، بينما كانت خسائر الطيران الإسرائيلي في يومي 6 و7 أكتوبر 54 طائرة بين مؤكدة وغير مؤكدة، فبلغت بذلك خسائر العدو بانتهاء يوم 8 أكتوبر نحو ما يقرب من 17 % من إجمالي القوات الجوية للعدو.

وفي ضوء الفشل المتكرر قام العدو بمهاجمة موقع رادار العين السخنة جنوب السويس بنحو 30 كيلومتر منتهزًا فرصة أن الرادار خارج التغطية بالصواريخ، وذلك بواسطة 4 طائرات على ارتفاع أكبر من 2 كيلو متر لتجنب الاشتباك مع عناصر الدفاع الموجودة بالموقع، وقد تمكن من إلحاق خسائر محدودة بمعدات الموقع، كما حاول انتهازًا للفرصة إتمام مهامه بالهجوم على القوات والمعابر وكتائب الصواريخ مع عدم المخاطرة، ولكن لم تمكنه وحدات الصواريخ من النجاح في ذلك.

وقد قام طيران العدو في هذا اليوم ولأول مرة منذ بداية الحرب بمهاجمة مدينة بورسعيد؛ فقد اشتبكت وحدات الصواريخ في بورسعيد اشتباكات محدودة مع العدو في يومي 6 و7 أكتوبر بغرض منع طائرات العدو من مهاجمة قواتنا المتقدمة بحذاء ساحل البحر الأبيض المتوسط للاستيلاء على النقطة الحصينة للعدو شرق بور فؤاد، وكذلك قواتنا المتقدمة بحذاء الضفة الشرقية للقناة للاستيلاء على النقطة الحصينة عند الكيلو 11.، وخلال هذين اليومين لم تحاول الطائرات الإسرائيلية مهاجمة مدينة بورسعيد ولا وحدات الصواريخ التي تقوم بالدفاع عنها، ولكن في الثامن من أكتوبر هاجم العدو تجمع الصواريخ المكلف بالدفاع عن بورسعيد ولأول مرة، وكان الهجوم محاولة للانتقام لخسائره الكبيرة في الطائرات وفقده عدد كبير من طياريه المحترفين، وكذلك لرفع معنويات طياريه التي انهارت من فداحة الخسائر في الطائرات، والتي أدَّت إلى إضراب بعض الطيارين وتقديم البعض منهم للمحاكمة فأعدم بعضهم، وتقرر ربط الطيارين بالسلاسل في طائراتهم حتى لا يهبطوا بالمظلات فرارًا من الصواريخ!

وكانت الهجمة الأولى في الساعة 30و11 صباحًا باستخدام 16 طائرة واستمرت لمدة نصف ساعة، بينما كانت الهجمة الثانية في الساعة 30و3 ظهرًا باستخدام 24 طائرة على موجتين تخللتهما هجمات فردية، وقد تمكَّن العدو في هذا الهجوم من إسكات عدة كتائب صواريخ، وتمكنت الوحدات من تدمير بعض طائرات العدو.

وقد وجَّهت طائراتنا في هذا اليوم ضربة مركزة لمطارات العدو في سيناء، والتي تمكن العدو من إصلاحها بعد إصابتها في الضربة الجوية الأولى يوم السادس من أكتوبر، ومنها: مطار المليز، ومطار بير تمادة، كما قصفت طائراتنا أيضا بطاريات الصواريخ (الهوك) الإسرائيلية ورادارات ومراكز قيادة للعدو في القطاعين الشمالي والأوسط.

وقد تضمن الهجوم الإسرائيلي يوم الثامن من أكتوبر محاولة القيام بعملية إبرار جوي في المنطقة الشجرية جنوب البلاح بواسطة طائرتين هليكوبتر تسللتا على ارتفاع منخفض جدًّا، وما إن تم الإبلاغ عن ذلك من نقط المراقبة وكتائب الصواريخ المجاورة لمنطقة القناة حتى صدرت الأوامر إلى بعض كتائب الصواريخ المجاورة بالقضاء على تلك المحاولة بتحريك أطقم الرشاشات المضادة للطائرات الموجودة على الناقلات المدرعة إلى منطقة الإبرار، وقتال العدو بمجرد الوصول إليه، ومع بدء الاشتباك مع العدو فَرَّ أفراده عائدين إلى الضفة الشرقية من جديد.

ويذكر موشى ديان في مذكراته: أن الإمدادات الاحتياطية وصلت في يوم الثامن من أكتوبر، وكانت الخطة الموضوعة تقضي بأن يقوم تشكيل مدرعات (برن) بالهجوم على الجيش الثاني المصري في القطاع الشمالي شمال القنطرة، ثم يتجه جنوبًا في اتجاه البحيرات المرة، بينما يقف تشكيلا مدرعات (شارون) و(ألبرت) في الخلف في وضع الاستعداد والدعم.

وبعد نجاح (برن)، يقوم تشكيل شارون بالهجوم على الجيش الثالث في القطاع الجنوبي، بينما يقوم برن وألبرت باحتواء الأعداء، مع إمكانية عبور قوات إسرائيلية للقناة، على أن تكون المعركة على بعد ميل ونصف ميل من خط مياه القناة لتفادي الصواريخ المضادة للدبابات المنتشرة على شاطئ القناة.

ومع فشل الهجوم المضاد وانتهاء يوم الثامن من أكتوبر بتقهقر القوات الإسرائيلية للوراء لمسافات أكبر مما كانت عليه في بداية اليوم، وبعد اجتماع طارئ لمجلس الوزراء، توجه ديان إلى الجبهة الجنوبية واجتمع مع القادة هناك.

يقول ديان: (وبدأ الاجتماع وأنا أشعر فعلًا بما تقوله التوراة عن (الغضب حتى الموت)، فبعد كل ما حدث خلال تلك الأيام الثلاثة -يعني 6 و7 و8 أكتوبر-، وبعد فشلنا في إخلاء المواقع وإنقاذ الرجال، وبعد أن دفعنا بالإمدادات إلى الجبهة الجنوبية، بعد كل هذا الذي فعلناه ضاع كل شيء هباء، ولم نحقق شيئًا، ووجدت شارون وبرن وقد استبد بهما الإرهاق الشديد بعد أن انتهت الأيام الماضية، والتي كان المفروض أن ننتقل فيها من الدفاع إلى الهجوم إلى مجرد اليأس والخسائر والتراجع).

وقد أشار شارون في الاجتماع بأن الحل هو عبور القناة، وتحطيم قواعد الصواريخ المصرية والوصول إلى مؤخرة الجيشين الثاني والثالث، على أن يكون العبور على جسور وقوارب خاصة بنا، بينما تأخذ باقي التشكيلات الأخرى وضع الدفاع.

وبعد العودة من الجبهة الجنوبية كان اجتماع ديان مع رئيس الأركان حيث طالبه بتعيين قائد جديد للجبهة المصرية، ورشَّح لذلك شارون أو حاييم بارليف، وطالب بتوجيه أعداد أكبر من الرجال للجبهة الجنوبية، وإعادة تنظيم القوات قبل أي محاولة لدفع المصريين للانسحاب.

وللحديث بقية إن شاء الله.