الدولة الفاطمية والمذهب الشيعي وزواله من مصر في العصر الأيوبي (11)

  • 49

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد حرص الفاطميون على نشر الدعوة الإسماعيلية من مساجد مصر، تمامًا مثلما حدث في بلاد المغرب؛ ولذلك اتخذ جوهر الصقلي من مساجد مصر أماكن لنشر وتعليم مبادئ المذهب الإسماعيلي، واتخذ الفاطميون المساجد مراكز لنشر مذهبهم.

نشر الدعوة الإسماعيلية في مسجد عمرو بن العاص:

ما كاد يستقر جوهر الصقلي في مصر، حتى أخذ يعمل على تهيئة عقول الناس وأذهانهم؛ لتقبل عقائد المذهب الإسماعيلي، وقد أقيمت صلاة الجمعة في المسجد العتيق، ودعا فيها للمعز الفاطمي، وذلك في التاسع عشر من شعبان سنة (358 هـ - 969م)، وذلك بعد دخول جوهر إلى الفسطاط بمدة يسيرة.

وقد خطب الجمعة هذا اليوم هبة الله بن أحمد خليفة، الذي استحدث في خطبته عبارات: "اللهم صلِّ على عبدك ووليك، ثمرة النبيين، وسليل العزة الهادية المهدية عبد الله الإمام معد أبي تميم أمير المؤمنين، كما صليت على آبائه الطاهرين، وأسلافه الأئمة الراشدين، اللهم ارفع درجته، وأعلِ كلمته، وأوضح حجته، واجمع الأمة على طاعته، والقلوب على موالاته، واجعل الرشاد في موافقته، وورثه مشارق الأرض ومغاربها، وأحمده مبادئ الأمور وعواقبها، فإنك تقول وقولك الحق: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون"؛ فقد امتعض لدينك، ولما انتُهِك من حرمتك، ودَرَس من الجهاد في سبيلك، وانقطع عن الحج إلى بيتك، وزيارة قبر رسولك صلى الله عليه وسلم؛ فأعدَّ للجهاد عدته، وأخذَ لكلِّ خطب أهبته؛ فسير الجيوش لنصرتك، وأنفق الأموال في طاعتك، وبذل المجهود في رضاك؛ فارتدع الجاهل وقصر المتطاول، وظهر الحق وزهق الباطل، فانصر اللهم جيوشه التي سيرها، وسراياه التي ندبها لقتال المشركين، وجهاد الملحدين، والذب عن المسلمين، وعمارة الثغور والحرم، وإزالة الظلم وبسط العدل في الأمم، اللهم اجعل راياته عالية مشهورة، وعساكره غالبة منصورة، وأصلح به وعلى يديه، واجعل لنا منك واقية عليه".

ولقد كانت هذه الخطبة إيذانًا بنهاية نفوذ العباسيين في مصر؛ وبداية للصراع فيها بين المذهبين: السني والشيعي؛ في صراع استمر لأكثر من قرنين من الزمان!

ولكي يجذب جوهر الصقلي العديد من محبي أهل البيت، زاد في خطبة الجمعة: "اللهم صلِّ على محمد المصطفى، وعلى عليَّ المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطيَّ الرسول، الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرًا، اللهم صلِّ على الأئمة الراشدين آباء أمير المؤمنين الهادين المهديين"، وذلك في شهر ذي القعدة من نفس السنة.

وفي جمادى الأولى سنة (359هـ - 970م) أمر جوهر أن يزاد في الأذان في جامع عمرو بن العاص عبارة: "حي على خير العمل"؛ ليؤصِّل بذلك الأذان الشيعي؛ بما يدل على الإمعان في نشر المذهب الشيعي، وغزو العقائد السنية تدريجيًّا، وفي شهر رمضان من نفس السنة أمر جوهر بطلاء جدران الجامع العتيق وأعمدته باللون الأخضر، وهو اللون المحبب لدى دولته!

أضف إلى ذلك: حرص خطيب الجمعة على أن يُسمِع المصلين تعاليم المذهب الشيعي، وإظهار محاسنهم، وتصوير أنهم حُمَاة الدِّين!

ونكمل في العدد القادم إن شاء الله.