أفشوا السلام بينكم

  • 65

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ووصل إلى هناك، أسرع الناس إلى استقباله واجتمعوا عليه، وكان بينهم عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وكان قبل إسلامه حبرًا من أحبار اليهود حيث يخبرنا بهذا المشهد المهيب عند رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم لأول مرة، وما هي أول وصاياه صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‌المَدِينَةَ ‌انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِسَلَامٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يربي الناس على الفضائل والمكارم حتى يكون المجتمع متحابًّا متعاونًا، كما بيَّن صلى الله عليه وسلم أن مكارم الأخلاق لها أجر عظيم عند الله تعالى، ومن هذه المكارم: "إفشاء السلام"، فكان أول شيء سمعه عبد الله بن سلام رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ)، والمقصود بإفشاء السلام نشره والإكثار منه.

والسلام اسم من أسماء الله تعالى، وإفشاء السلام طريق موصل إلى المحبة بين المسلمين، ومِن ثَمَّ إلى الجنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ ‌تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) (رواه مسلم).

وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم من خير الأقوال في البر والإكرام، إفشاء السلام الذي يعم ولا يخص مَن عرف ومَن لم يعرف حتى يكون خالصًا لله تعالى، فقد شرع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لنا تحية تميزنا عن غيرنا؛ ورتَّب على فعلها الثواب وجعلها حقًّا من حقوق المسلم على أخيه؛ فتحولت التحية من عادة من العادات إلى عمل يفعله العبد تقربا إلى الله تعالى، واستجابة لأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي (السلام عليكم ورحمه الله وبركاته).

فلا يجوز أن تبدل هذه التحية العظيمة بعبارات أخري، مثل: (صباح الخير - أو مساء الخير - أو مرحبا)، أو غير ذلك مما قد يستعمله بعض الناس؛ جهلًا أو إعراضًا عن السلام المشروع الذي تحسدنا عليه الأمم الكافرة كاليهود، وغيرهم، فعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَا ‌حَسَدَتْكُمُ ‌الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ، مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني).

فالواجب على المسلمين إفشاء السلام وإظهاره، وإعلانه بين الناس حتى يكون شعارًا ظاهرًا بينهم، لا تُخص به فئة دون أخرى، أو كبير دون صغير؛ ولا مَن يعرف دون مَن لا يعرف، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: (تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ ‌السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ ‌وَمَنْ ‌لَمْ ‌تَعْرِفْ) (متفق عليه).

وقال عمار بن ياسر رضي الله عنهما: "ثلاث مَن جمعهن؛ فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسه، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار" (ذكره البخاري معلقًا بصيغة الجزم في كتاب الإيمان، باب إفشاء السلام من الإسلام).

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.