فأقم وجهك للدين حنيفًا (3)

  • 31

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقوله تعالى: "ذلك الدِّين القَيِّم": القيّم بناء مبالغة من القيام الذي هو بمعنى الاستقامة، أي: التّمسّك بالعقيدة الصّحيحة والشّريعة والفطرة السّليمة، هو الدّين القويم المستقيم الّذي لا عوج فيه، وإطلاق القيّم على الدّين: تشبيه انتفاء الخطأ عنه باستقامة العود وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس، كما في قوله تعالى: "ولم يجعل له عوجًا قيّمًا".

ويطلق القيِّم أيضًا على: الرّعاية والمراقبة والكفالة بالشّيء.

ويطلق أيضًا على: المهيمن والحافظ. وكلّها معان صالحةٌ هنا؛ فهذا التوحيد الخالص وهذا الدّين الحنيف به قوام أمر الأمّة، قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه لمعاذ بن جبلٍ رضي الله عنه: "يا معاذ ما قوام هذه الأمّة؟ قال معاذ: ثلاثٌ، وهنّ المنجيات: الإخلاص، وهو: الفطرة الّتي فطر اللّه النّاس عليها، والصّلاة وهي: الدّين، والطّاعة وهي: العصمة، فقال عمر: صدقت"؛ يريد معاذ بالإخلاص: التّوحيد، كقوله تعالى في سورة البينة: "مخلصين له الدِّين حنفاء"، وقول النّبي صلّى الله عليه وسلّم فيما يرويه عن ربّه: "وإنّي خلقت عبادي حنفاء كلهم -أي: غير مشركين-، وإنّهم أتتهم الشّياطين فأجالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا".

ولكنّ أكثر الناس من المشركين الذين أعرضوا عن دعوة الإسلام، وأهل الكتاب الذين أبوا اتباع الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- ومفارقة أديانهم لا يعلمون، والملحدين المنكرين ما هو ظاهر متيقن من دلالة الكون على وجود خالقه ووحدانيته ثم يتمسكون في المقابل بنظريات افتراضية وهمية لا دليل عليها؛ إلا خيال وأكاذيب يهدم بعضها بعضًا؛ هم جهّالٌ لا علم عندهم بالاعتقاد، والمعرفة والإدراك لتلك الحقيقة العظيمة المرتبطة بحياة البشر ودينهم وأعمالهم، فإن كان قد بلغهم فإنّهم جهلوا معانيه؛ لإعراضهم عن التَّأمُّل، ولم يسعوا في أن يبلغهم على الوجه الصّحيح، ففعل لا يعلمون غير متطلّبٍ مفعولًا، بل هو منزّلٌ منزلة اللَّازم؛ لأنّ المعنى لا علم عندهم، وفي هذا تقبيح لهم وتشنيع بجهلهم وإن حملوا الشهادات العليا.

وهذه الآية الكريمة: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ": دليل أبلج على أن معرفة الله عز وجل فطرية، وأن وجود الله معلوم بالاضطرار، بخلاف ما تدعيه المعتزلة والأشاعرة الذين أنكروا المعرفة الفطرية، وصرحوا بأن وجود الله تعالى غير معلوم باضطرار، وإنما يعلم بالنظر والاستدلال، فجعلوا الدلائل على معرفة الله عز وجل وربوبيته عقلية فحسب، وذلك بعد ما دخلوا إلى سراديب الفلسفة وتأثروا بأوهامها وخاضوا بحر أوحالها، وجعلوا العقل وحده وسيلة العلم والمعرفة، وترتب على ذلك خلل عظيم في قضية الإيمان والكفر عندهم؛ لأنهم جعلوا أول واجب على العباد هو النظر والاستدلال المؤدي إلى المعرفة، حتى لا يكون العبد مقلدًا في إيمانه، وإلا كان كافرًا أو فاسقًا، أو غير كامل الإيمان لتركه النظر، حتى وإن كان اعتقاده صحيحًا.

وأصل هذا البلاء وتلك البدعة المنكرة إنكار تلك المعرفة الفطرية التي فطر الله الناس عليها؛ فانظر إلى هذا المنزلق الكلامي الوَحِل، وتأمل كيف جعلوا أول مطلوب جاء به الكتاب والسنة ودعت إليه الرسل من الإيمان بالله وكتبه ورسله... هو المطلوب الثاني –وفق ما قرره الباقلاني- بعد ما ابتدعوه من النظر على طريقتهم؛ بسبب تأثرهم بالفلسفة الوثنية الإغريقية التي تنكر الوحي وتجعل العقل وحده الحكم والمعيار ومصدر التلقي، فأخضعوا المعتقدات والأديان للنظر العقلي، وفتحوا باب المعارضة المفتعلة بين المعقول  والمنقول، وترتب على هذا عند الأشاعرة؛ أن لم ينظر ويعرف الله بالنظر والاستدلال على طريقتهم الكلامية -القائمة على النظرية العويصة في الجوهر والعرض لإثبات حدوث العالم ووجود الخالق-؛ فهو مقلد في إيمانه، وهذا المقلد عند بعضهم كافر لا يصح منه الإيمان وهو من الهالكين؛ لأنهم جعلوا النظر شرط لصحة الإيمان، ومنهم من فَصَّل بحسب أهلية النظر وغيرها، ومنهم من حكم بإيمانه لكن جعل النظر شرط لكمال الإيمان... فانظر كيف كَفَّرُوا وفسَّقوا الكثرة من المسلمين القائم إيمانهم على الفطرة التي فطرهم الله عليها؟!

حتى إن يوسف بن إلياس العجمي الكنجي المعروف بعجم سنان، قال في حاشيته على "شرح المواقف": (روي أن إمام الحرمين حين قرر أن إيمان المقلد غير معتبر، وقد كان يطوف بالبيت اعترض عليه من علماء شيراز بأنه يكون أكثر هؤلاء الطائفين هالكين غير مؤمنين! فقال الإمام الجويني: أتخوفني بكثرة الهالكين؟!)، هكذا يصدح الجويني بلا مواربة: (أتخوفني بكثرة الهالكين؟!) فيمَن أنكر عليه تكفير المسلمين المقلدين الذين يمتدون من زمنه صلى الله عليه وسلم وعبر القرون الخيرية الأولى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ فيا للعضيهة! حين يكفرون جموع المسلمين، ويكفرون آباءهم وأمهاتهم.

قال أبو إسماعيل الهروي في بيان تلبيس الجهمية: (وأبطلوا التقليد؛ فكفروا آباءهم وأمهاتهم وأزواجهم وعوام المسلمين، وأوجبوا النظر في الكلام، واضطروا إليه الدين بزعمهم فكفروا السَّلَف).

وقد نقل الحافظ ابن حجر في الفتح كلام الجويني وغيره في شرحه لكتاب الإيمان من فتح الباري، ورد عليه قائلًا: (وَمَعَ ذَلِكَ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا"، وحديث: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفطْرَة" ظاهر في دفع هذه المسألة من أصلها... وقد نقل القدوة أبو محمّد بن أبي جمرة عن أبي الوليد الباجيّ عن أبي جعفرٍ السّمناني، وهو من كبار الأشاعرة أنّه سمعه يقول إنّ هذه المسألة من مسائل المعتزلة بقيت في المذهب واللّه المستعان).

ومثل هذه المسائل تؤكِّد كما صرَّح الدكتور النشار -مع تعصبه الشديد للأشاعرة-: (أن الأشاعرة لم يخالفوا المعتزلة في الأصول، وإنما في فهم هذه الأصول)، وكل هذا التعمق الموحل، والتكلف الخطير لدى المتكلمين؛ لأنهم يرون أن إيمان هؤلاء المقلدين لم يأتِ من جهة النظر الذي استحدثه وابتدعه هؤلاء المتكلمون، وهذا ما جعل بعض الأشاعرة مثل: السماني، وأبي المظفر بن السمعاني، وأبي حامد الغزالي، ونحوهم... ينتقدون المذهب في هذه المسألة، والعجب في هؤلاء أنهم يكفرون المقلدين أو يفسقونهم مع أن جمهورهم مقلد لرؤوسهم، والله المستعان.

ولا ريب أن صريح القرآن يدحض ما زعموه، وكذا الأحاديث الشريفة؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشهد بالإسلام لمن يقر بالشهادتين، ويجعله بتلك الشهادة معصوم الدم والمال، ولم يطالبهم بالنظر الذي زعمه هؤلاء، والناظر في القرآن يرى يقينًا أن الإقرار بوجود الله أمر فطري ضروري أقر به الكافرون المكذبون للرسل، حتى جُعل هذا الإقرار حجة عليهم في الاستدلال لتوحيد الألوهية، قال تعالى: "وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ".

ولا جدال في حض القرآن على النظر والتفكر والتدبر والتعقل وإعمال الفكر، ولكن الكلام هنا في أول واجب، وكونه طريق الإيمان والتوحيد، كما لا ننكر أصل النظر، ولكن ننكر توقف الإيمان على وجود النظر بالطرق الكلامية.

ويضاف لتلك الجريرة: أن الدليل الذي يطالبون الناس بالنظر عليه لصحة إيمانهم -وهو قانون الجوهر والعرض لإثبات حدوث العالم- صعب الفهم، عويص الإدراك بشهادة الأشاعرة أنفسهم، وهذه الأعراض وتعلّقها بالجواهر وانقلابها فيها في قانونهم تدل -كما يقول القرطبي في تفسيره-: "على أنّ لا هدى فيها، ولا رشد في واضعيها".