المرض المزمن... الحسد

  • 74

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فالحسد شر ووباء، وداء فتاك، إذا سرى في الانسان أفسده وأضرَّ به، والحاسد لا يرضى بقسمة الله، ولا بحكم الله وتدبيره، فإذا رأى نعمة على عبد من عباد الله امتلأ قلبه حسدًا وكراهية وبغضاء، فهو عدو لنعم الله على عباده، يحب زوال تلك النعمة من المحسود وحصوله عليها، أو زوالها من المحسود حتى لو لم يحصل عليها، وهذا غاية أخبث الحسد؛ ولذا نجد الحسد منتشرًا في  المجتمعات الصغيرة التي يكثر فيها الفراغ وتقل الأعمال ويبرز فيها أدنى شيء للعيان، وعيون بعضهم على بعض، بخلاف المدن؛ فكل تاجر مشغول بتجارته عمَّن سواه، والأعمال كثيرة، والحركات واسعة.

ألا يدري الحاسد أن مِن لوازم صحة إيمانه بالله: الرضا بالقضاء والقدر، وبحسده لا يكون راضيًا، بل ساخطًا لحكمه وقضائه عز وجل؟ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ). قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: (هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).

والحسد يورث العداوة والبغضاء بين الناس؛ لذا أمرنا الله عز وجل أن نستعيذ بالله من الحاسد، فقال تعالى (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) (الفلق:5)؛ لأنه يعادي المؤمن فاستحق محاربة الله له؛ بالإضافة إلى عقاب الله له في الدنيا مِن موت قلبه، فلم يرحم نفسه من الهموم والغموم التي تزيد من مرضه، وربما يصل به الحال إلى الموت، وفي الآخرة تتحول حسنات الحاسد الى المحسود، خسر الدنيا والآخرة.

فالحسد كان سببًا في طرد إبليس من رحمة الله، حيث حسد آدم عليه السلام فيما آتاه الله من النعمة والفضل حين خلقه بيده، وأسجد له الملائكة وأسكنه الجنة، والحسد كان سببًا في وقوع أول جريمة على الأرض حينما حسد قابيل هابيل؛ لأن الله تقبَّل منه قربانه فقتله حسدًا وحقدًا.

والحسد من صفات اليهود حين حسدوا نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وحسدوا أمته، وأضمروا لهم كل عداوة وبغضاء، قال تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) (البقرة:109).

وأنت أخي المحسود؛ عليك بالأخذ بالأسباب، ولا تكن معينًا للحاسد حين تنشر صورك وصور أهلك، أو طعامك وشرابك في مواقع التواصل، أو تتفاخر أمام الناس بمنصبك، أو ولدك، أو علمك؛ فتصيبك عين الحاسد، وعليك بالاستعاذة بالله من شرِّ الحاسدين واتقِ الله، وحافظ على حدوده يحفظك الله من الحاقدين، وعليك بالتوبة الصادقة من الذنوب، والصبر على الابتلاء، وقوة التوكل على الله عز وجل، وملازمة ذكره، والمداومة على قراءة القرآن الكريم.

فإن لم تأخذ حقك في الدنيا من الحاسد، فسيأتي يوم يُقَاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء؛ فكيف بحقوق البشر في يوم تنصب فيه الموازين؟! قال تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء:47).