الكرة بين اللهو المباح والعقل المستباح

  • 60

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فلم تعد كرة القدم مجرد رياضة أو لهوًا مجردًا غير محفوف بالشُّبُهات، والمخاطر البدنية والنفسية والعقدية، وإنما أصبحت صناعة تَعبَث بالعقول والأفهام، وتمرر من خلالها كثير مِن الموروثات والأفكار المخالفة لعقائد الأمم والشعوب؛ فصارت تستهدف احتواء الجماهير مِن شَتَّى الشعوب والبلدان، وتعمل على تحفيزها وشحنها، وتخديرها، وفرض ثقافات مغايرة لما نشأت وترعرعت عليه. 

وصارت كرة القدم منافسة بين أطرافها وبين غير الممارسين من المشجِّعين والدَّاعمين لها، لا تتقيَّد أو تلتزم بما ينبغي الالتزام به من أحكام الإسلام وآدابه. 

وتحوَّلت من كونها ممارسة للعبة رياضية غرضها التريض واللهو المباح، إلى تجارة وحرفة ومهنة غرضها التربح والتكسب، وتحصيل أموال طائلة، ومبالغ فاحشة؛ حتى صارت حلمًا وأملًا للمكسب السريع من كثير من الشباب الذين يلهثون وراءها؛ رغم أنها في الأصل لا تعدو -في أحسن أحوالها- مجرد لهو مباح إذا انضبط بالضوابط الشرعية لا ينبغي المبالغة فيه؛ فضلًا عن إنفاق المال والوقت عليه. 

ولا شك أن اللهو المباح بضوابطه "ومنه: كرة القدم" لا يصلح أن يكون مهنة أو وظيفة للتكسب والتربح: فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا سَبَقَ إِلا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ) (رواه الترمذي وأبو داود، وصححه الألباني)، وكرة القدم ليست منها؛ فالسبق عليها لا يجوز، وإنما يأخذ اللاعبون أجرة مِن النوادي المشارِكة في المسابقات؛ فلذلك اتخاذها مهنة وعملًا لا يجوز، وما سبق أخذه مِن هذه الأموال حقه أن يُنفق في مصالح المسلمين.

قال شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله- في بيان حكم التكسب من اللعب: "بذل المال فيما لا ينفع في الدِّين ولا في الدنيا منهي عنه، وإن لم يكن قمارًا، وأكل المال بالباطل حرام بنص القرآن، وهذه الملاعب من الباطل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ المُسْلِمُ بَاطِلٌ، إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ أَهْلَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الحَقِّ" (رواه أحمد وغيره، وحسنه الأرناؤوط في تحقيق مسند الإمام أحمد، وقال الألباني: صحيح إلا قوله: "فإنهن مِن الحق")... وقد يرخَّص في بعض ذلك إذا لم يكن فيه مضرة راجحة، لكن لا يؤكل به المال؛ ولهذا جاز السباق بالأقدام والمصارعة، وغير ذلك، وإن نهي عن أكل المال به" (الفتاوى الكبرى)

وذكر السيوطي رحمه الله: "عدم جواز التكسب باللهو حتى لو كان مباحًا، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم" (انظر: الأشباه والنظائر).

وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء بالسعودية: "ما لا يستعان به في الحروب: كاللعب بكرة القدم، والملاكمة، والمصارعة؛ فلا يجوز إن كان بجوائز للفائز، وإن كان بغير جوائز جاز منه ما لا يشغل عن واجب، ولا يوقع في محرم، ولا ينشأ عنه ضرر وإلا حرم".

وقد وصل انشغال المهتمين والمعنيين بكرة القدم إلى حدِّ التفرغ لمتابعة هذه المباريات، ولو على حساب الصلوات والفرائض المكتوبات، حتى استشرى ذلك وعم على المقاهي وداخل البيوت، بل تعاطى ذلك الكبار والصغار، وصارت النساء أيضًا ينشغلن بها، ويحرصن على متابعتها!

مما ينذر بخطر شديد من جرَّاء استمرار استنزاف هذه الساحرة المستديرة واستباحتها لعقول مَن تأثَّروا بها، وظنوا أنها مصدرٌ لصناعة الأمجاد والبطولات، وهم يجهلون حقيقة ما آلت إليه هذه الصناعة، وكيف تقف خلفها جهات تعمل على استغلالها لتكون منطلقًا لنشر دعواتها الباطلة والهدَّامة بين شعوب العالم، كما هو غير خافٍ الآن، بل صار أمرًا واضحًا جليًّا يصرِّحون به من ضرورة دعم الإباحية والشذوذ من خلال بطولة كأس العالم لكرة القدم في دولة قطر.

فهناك أجندات إستراتيجية يُعمَل على تنفيذها بكلِّ قوة؛ لاختراق كافة شرائح المجتمع الإسلامي في كافة بلدان العالم، والعمل على تغيير ثوابته ومعتقداته، أو -على الأقل- زعزعتها مرحليًّا، وإغراق المجتمعات الإسلامية في براثن الشهوات والممارسات الجنسية المخالفة للفطرة الإنسانية التي فَطَر الله الناس عليها، حتى صار الآن مَن يرتدي عَلَم المثليين، ويرفع شعار: "مجتمع الميم!" هو صاحب رسالة للمجتمع الغربي أنه مواطن متحضر، ومَن يرفض دعم المثلية يصبح شخصًا جاهلًا منحرفًا يُشَنَّع عليه ويُهَاجَم أشد المهاجمة!

وهذا ما واجهه اللاعب "إدريسا غانا غاي"، لاعب كرة القدم السنغالي المسلم الذي تخلَّف عن مباراة فريقه باريس سان جيرمان أمام مونبلييه، ورفض ارتداء قميص يحمل ألوان عَلَم المثلية الجنسية، والذي يسمَّى: "علم الرينبو" أو "علم قوس قزح"؛ لأنه بحكم كونه مسلمًا لا يجوز له دعم المثلية والشذوذ الجنسي الذي يخالف أحكام الإسلام؛ فتم استجوابه على عدم مشاركته في مباراة "جولة دعم المثلية"، وخرجت صحف عالمية مؤيدة للمثليين تعلِّق على سلوك هذا اللاعب؛ وتصفه بالمشين، وطالبوه بتقديم اعتذار رسمي! 

وفي المقابل: احتفت الصحف الإنجليزية والعالمية باللاعب "جيك دانيلز" أول لاعب كرة قدم بريطاني يفصح عن مثليته!

ومؤخرًا أطلق الدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم (البريميرليغ) على الجولتين: 13 و14 من الدوري: جولات دعم المثليين!

ومما يجهله الكثيرون: أن الاتحاد الدولي لكرة القدم اشترط على البلدان الراغبة في تنظيم نهائيات كأس العالم أن تضمن للجماهير التي ستحضر لمتابعة المونديال الحماية من كافة أنواع التمييز، بما في ذلك التمييز القائم على الميول الجنسية للأفراد، وعدم انتقاد حرية المثلية الجنسية، والممارسات الجنسية بكلِّ صورها وأشكالها بأي صورة من الصور!

والخطر البالغ والعظيم في ذلك يتمثَّل في: اتساع رقعة المتابعين والمشاهدين لمثل هذه المباريات، التي صار يشاهدها الكبار والصغار، والشباب والفتيات، وصارت تقتحم البيوت على أصحابها، ولو لم ينل هؤلاء إلا تهوين هذه المعتقدات والممارسات المحرمة المشبوهة في نفوس المسلمين وتعاطفهم مع هؤلاء المنحرفين عن شريعة الله سبحانه وتعالى وعن الفطرة؛ لكان ذلك نصرًا كبيرًا لهم.

ولا شك أن كلَّ هذا يمثِّل جرس إنذار ونذير خطر لكلِّ العقلاء أن يفيقوا من غفلتهم، وأن ينتبهوا إلى أسرهم وأبنائهم، وأن يحذروا من الدعاوى الخادعة والكاذبة التي تمرر من خلالها المفاهيم والأفكار المنحرفة التي يسيطر ويستبيح بها هؤلاء عقولَ المتابعين لهم. 

إن الأمر لم يعد مجرد لعب ولهو؛ إذًا لهان الأمر، فإن هذه اللعبة إذا انضبطت بضوابط الشرع والكتاب والسنة؛ لم يكن هناك بأس أو حرمة في مشاهدتها ما لم يؤدِّ ذلك إلى تضيع صلاة أو وقوع في مخالفة شرعية، ومع ذلك لقلنا أيضًا: إنها من اللغو الذي يحسن بالإنسان التنزه عنه والإعراض عنه، كما قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون:3).

 ولكنها صارت سكرة حقيقية تؤدي إلى غفلة القلوب، وساحرة قبيحة لم تخطف الأبصار وحسب، بل خطفت العقول، وأوغرت الصدور، وخرجت عن الحدِّ المسموح به والمألوف، إلى التعصب الأعمى الذي يؤدي إلى السبِّ والشتم، والتشاحن -على أضعف الأحوال-؛ فضلًا عن العدوان، والاشتباك بالأيدي والأرجل، ومحاصرة الملاعب واللاعبين، وإتلاف الأموال، وسفك الدماء، وتمييع، بل إفساد عقيدة الولاء والبراء، وغير ذلك من المفاسد الكثيرة والخطيرة!

وأختم بهذا النداء لفضيلة الشيخ الدكتور "محمد إسماعيل المقدم" حفظه الله -الذي صدح به قبل أن تظهر هذه المساوئ والبلايا العظيمة لكرة القدم ومتابعتها- تحت عنوان: "عقار المجنونة المستديرة": "يا أحفاد أبي بكر وعمر، وعثمان وعلي ومعاوية، وصلاح الدين، إن البطلَ ليس الذي يتقن اللهو الباطل واللغو الفارغ لتكون راية فريقه العليا، ولكن البطل هو الذي يعمل بالإسلام، ويغيظ أعداء الله، وتشتد نكايته فيهم، ويجاهد في سبيل الله لتبقى كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.

يا أصحاب بدر، والقادسية، وحطين، وعين جالوت، والقسطنطينية: إن النصر يتحقق بالكدح في الدعوة والجد في الجهاد حتى يدخل الناس في دين الله أفواجًا. 

إن المجد يُصنَع في المساجد والمحاريب، ثم في المدارس والجامعات، والمعامل والمصانع والمزارع، حتى نخرج من وهدة التَّخَلُّف، ونطهِّر بلادنا من وحل المعاصي، وعار الفسق، ومستنقع الفن العفن" (الإجهاز على التلفاز).

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

وصلى الله على محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.