حرب العاشر من رمضان السادس - من أكتوبر كأنك تراها (12)

  • 34

معركة المزرعة الصينية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد مضي نصف قرن هجري من الزمان على حرب العاشر من رمضان 1393 إلى رمضان 1443 هـ - السادس من أكتوبر، رَحَل -أو يكاد- مَن حضروا هذه الحرب أو عاصروها؛ فلزم علينا أن نذكِّر الأجيال الجديدة بهذه الحرب المجيدة، وما قدَّم المصريون فيها مِن تضحياتٍ، وما بذلوه من جدٍّ واجتهاد في قوة تحمُّل وصبر، وإخلاص وصدق حقَّقوا به مجدًا كبيرًا في ظروف أسوأ وأصعب بكثيرٍ مِن الظروف التي نعاني منها حاليًا؛ إنها روح العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر التي نفتقدها الآن، ونحن أحوج ما نكون إليها.

معركة المزرعة الصينية: من أعنف معارك الدبابات في حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر؛ بدأت الاشتباكات بين الطرفين فعليًّا في ليلة 19/ 20 رمضان التي توافق ليلة 15/ 16 أكتوبر، واستمرت لمدة ثلاثة أيام متتالية.

المزرعة الصينية هي مشروع مزرعة تجريبية أنشأتها الدولة المصرية في الخمسينيات وعمل بها بعض الخبراء اليابانيين في منطقة الدفرسوار شرق الإسماعيلية، تقع بين البحيرات المرة الكبرى ومدينة الإسماعيلية، وقد بنيت إلى جوارها قرية الجلاء عام 1966 م لتعمير سيناء، فلما استولى الإسرائيليون في يونيو 1967 م على المنطقة ورأوا الكتابة اليابانية على بعض عنابر وجدران المزرعة، ظنوا أنها كتابة باللغة الصينية فأطلقوا عليها المزرعة الصينية.

ومع بداية حرب 1973م عبرت الكتيبة 16 بقيادة المقدم محمد حسين طنطاوي قناة السويس، فاستولت عليها في زمن قياسي أقل من الزمن المتوقع لاستيلاء عليها، ورفعت عليها العَلَم المصري. وبعدها بدأت الكتيبة في التقدم باتجاه شرق القناة للاستيلاء على رأس الكوبري النهائي والتصدي للهجمات الإسرائيلية المضادة، فخاضت معارك حامية الوطيس، حيث تولَّى المقدم حسين طنطاوي بنجاح وضع الخطط والتعامل مع التطورات السريعة في ميدان القتال في مواجهة تحركات العدو ومفاجآته، واستطاعت الكتيبة تحقيق هدفها، كما قامت بعزل وحصار النقطة الأكثر تحصينا في منطقة الدفرسوار، وتقدمت شرقًا داخل أراض سيناء.

كانت القيادة العسكرية الإسرائيلية قد قررت -لإنقاذ موقفها السيئ في الحرب واستعادة سمعتها وهيبتها- أن تقوم بتطبيق خطة حرب قديمة وضعها شارون تعرف عندهم باسم: (الغزالة) بعد تطويرها، حيث تقوم فيها بالضغط بأقصى قوة على ممر ضيق في أحد أجناب الجيش المقابل لإحداث ثغرة فيه تمر قواتها من خلالها إلى خلف خطوط العدو وتلتف حوله، وهي خطة معروفة سبق لقواتنا رصد تدرب القوات الإسرائيلية عليها في بحيرة طبرية في عام 1968م تحسبًا لاحتياج الجيش الإسرائيلي لعبور قناة السويس يومًا ما.

وقد توقع قادة الجيش المصري أنه لو تمت مثل هذه العملية في يوم ما؛ فإنها ستكون عند أضيق نقطة في ممر قناة السويس، أي: إما في منطقة الفردان أو منطقة الدفرسوار؛ لأنهما أضيق منطقتين لعبور القناة، ونظرًا لعدم صلاحية منطقة الفردان لتنفيذ هذا العبور، فالأغلب أن تكون هذه العملية عند منطقة الدفرسوار.

عَلِم العدو الإسرائيلي بحدوث تحرك لقوات مصرية من القوات الاحتياطية غرب القناة إلى الضفة الشرقية، بما يخل بالتوازن العسكري المصري شرق وغرب القناة، وعلم أيضًا بوجود فجوة بين الجيشين الثاني الميداني والثالث الميداني، وهذا الوضع يسهل من مهمة أي قوات إسرائيلية تعبر القناة في الانتشار خلف الجيش المصري، وقد تلقت القيادة العسكرية الإسرائيلية هذه المعلومات العسكرية الخطيرة من خلال التقارير الاستخباراتية التي سلمتها لها أمريكا بعد عملية استطلاع واسعة قامت بها في يوم 13 أكتوبر بطائرة تجسس أمريكية اخترقت المجال الجوي المصري بطول الجبهة، وفي عمق الدلتا على ارتفاع هائل (بلغ 27 كم) وبسرعة عالية بلغت  3 أضعاف سرعة الصوت مما يستحيل معه على الدفاع الجوي المصري التصدي لها.

وعليه وبعد نجاح العدو الإسرائيلي في صدِّ تطوير الهجوم المصري في 14 أكتوبر، ورغم خسائر العدو الفادحة في صد هذا الهجوم؛ فقد سارع في يوم 15 أكتوبر إلى تنفيذ عملية الغزالة بعد تطويرها وتسميتها باسم: (عملية القلب الشجاع)؛ إذ هي الأمل الوحيد والأخير في نظر قادة العدو لتغيير أوضاع الحرب قبل صدور وتنفيذ أي قرار متوقع من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار.

إسقاط طائرتي استطلاع إسرائيلية:

حاول العدو في يوم 14 أكتوبر القيام بأهم وأخطر عملية استطلاع جوية له خلال حرب أكتوبر كلها بواسطة طائرتين فانتوم، وترجع أهميتها أنها موجَّهة للعمق المصري في الدلتا إلى جانب جبهة القتال، وترجع خطورتها إلى أنها مجازفة ونسبة نجاحها ضئيلة! حيث اقتربت طائرتا فانتوم على ارتفاع 16 كم، واخترقتا مجالنا الجوي جنوب بورسعيد متجهتان نحو مطار الصالحية، وقد تحاشتا الدخول في مجال الصواريخ المصرية، واتخذتا مسارًا ييسر لهما استطلاع جميع مطارات الجمهورية في الدلتا وحولها، الصالحية وأبو حماد وبلبيس وأنشاص، ومطارات القاهرة وطنطا ثم المنصورة، بعدها حاولتا الاتجاه شرق القناة عائدتين إلى قاعدتهما، بعد مدة طيران استغرقت أكثر من نصف ساعة ولم تتمكَّن الصواريخ ولا المقاتلات في جميع المناطق التعامل معهما، ولكن حائط الصواريخ تمكَّن بأسلوبه المتميز ودهائه من الاشتباك معهما وتدميرها، وقد شوهدتا الطائرتان وهما تحترقان وتنفجران في الجو في لحظات، وبالتالي حرمان العدو من المعلومات التي جازف للحصول عليها؛ فكانتا صيدًا ثمينًا بثمن زهيد؛ فقد تم تدميرهما بثلاثة صواريخ ثمنهم 60 ألف جنيه (راجع كتاب: حائط الصواريخ في أكتوبر 1973 - حرب رمضان 1393، تأليف اللواء ركان حرب / محمد سعيد علي - ط . الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط. 2014 م، ص 330 - 332).

الهجوم على الدفرسوار:

كانت الخطة الإسرائيلية مبنية على إحداث ثغرة في منطقة الدفرسوار لمرور قوات إسرائيلية إلى غرب القناة، وكان اتجاه الهجوم الإسرائيلي يستهدف الجانب الأيمن للجيش الثاني الميداني في قطاع الفرقة 16، وبالتحديد في اتجاه محور الطاسة والدفرسوار ومنطقة تمركز الكتيبة 18 عند قرية الجلاء؛ إذ كان عبور القوات الإسرائيلية للقناة من جهة الدفرسوار يستوجب تأمين المنطقة بأن تكون منطقة شمال الدفرسوار خالية تمامًا من أي قوات مصرية إلى مسافة خمسة كيلو متر؛ لتأمين المعبر الذي سيقيمه العدو في المنطقة.

بدأت أحداث المعركة من نهار يوم 15 أكتوبر، وطبقًا للخطة الموضوعة بدأ العدو بتوجيه طيرانه ضربات جوية مركزة طوال اليوم حتى غروب الشمس على مقر الكتيبة 18، وعلى القوات المصرية الموجودة بالمنطقة، فأحدث الضرب إصابات بالغة بالمنطقة، ولكن مع استخدام التمويه والخداع الجيد لم يصب خلال هذه الضربات المركزة الطويلة سوى ثلاثة جنود مصريين فقط؛ فقد كانت القوات المصرية في ضوء المعلومات ترصد تحركات قوات العدو وطيرانه فتقوم بنقل القوات بعيدًا عن مناطق الضرب والقصف، ولا تعيدها إلى مواقعها إلا بعد ورود معلومات تفيد بتحرك الدبابات والمدرعات الإسرائيلية تجاه الموقع، والتي تكون عادة بعد رصد طائرات استطلاع إسرائيلية تقوم بتصوير الموقع قبل الهجوم المتوقع عليه، فيتم بذلك تفادي الآثار الخطيرة للقصف الجوي للعدو.

في الساعة الثامنة إلا ربع مساء من نفس اليوم تم رصد تحرك أعداد كبيرة من دبابات العدو قادمة من اتجاه منطقة الطاسة للهجوم على القوات المصرية المتمركزة في المنطقة، وفي الساعة الثامنة والنصف مساءً، بدأ هجوم إسرائيلي موسَّع مكوَّن من أربع كتائب مدرعة وكتيبة استطلاع مدرعة، وثلاث كتائب مشاة ميكانيكي على الكتيبة 18 الموجودة بالمنطقة، فنجحت الدبابات المصرية المخندقة مع الأسلحة المضادة للدبابات في التصدي لدبابات العدو، وتم اختيار مجموعة قنص من السرايا، وفصيلة خاصة من حاملي (أر بي جي) والدفع بهم إلى الجانب الأيمن حيث قامت بالاشتباك مع العدو في قتال متلاحم على شكل حرب عصابات طوال الليل حتى الصباح، وتم تدمير عشرات الدبابات للعدو؛ مما آثار الرعب في نفوس القوات الإسرائيلية المهاجمة.

ورغم بسالة القوات المصرية وفداحة الخسائر كان إصرار العدو على نجاح الهجوم وتنفيذ خطة عبور القناة مهما كان الثمن؛ لذا دفع العدو في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل بالمزيد من قواته وامتد هجوم العدو إلى الكتيبة 16 التي تساند الكتيبة 18، ولاستدراج القوات الإسرائيلية المهاجمة واصطيادها، أمر المقدم حسين طنطاوي قائد الكتيبة 16 قواته المستعدة بكافة أسلحتها للتصدي للهجوم بحبس النيران لأطول مدة ممكنة في انتظار وصول قوات العدو لمرمى النيران، وعند الوصول للنقطة الحاسمة تم فتح النيران بجميع أسلحة الكتيبة 16 باتجاه القوات المهاجمة، واستمر القتال العنيف في معركة استمرت حتى بزوغ الفجر، ومع دخول الصباح سحب العدو القتلى والمصابين، وبقيت دباباته ومدرعاته المدمرة تتصاعد منها أعمدة الدخان طوال اليوم التالي.

وقد كتب موشى ديان وزير الدفاع الإسرائيلي في مذكراته بعد زيارته للمنطقة بعد انتهاء المعركة تعقيبًا على ما رآه مِن آثار المعركة وفداحة الخسائر الإسرائيلية فيها: (لم أستطع إخفاء مشاعري عند مشاهدتي لها، فقد كانت مئات من العربات العسكرية المهشمة والمحترقة متناثرة في كلِّ مكان، وبعضها ما يزال يتصاعد منها الدخان).

وقال: (كانت هناك دبابات إسرائيلية ودبابات مصرية لا يبعد بعضها عن بعض سوى بضع ياردات، وكانت هناك أيضًا عربات نقل إمدادات مهجورة، فاجأتها الغارة الجوية وقذائف المدفعية، ومع اقترابنا من كل دبابة كان الأمل يراودني ألا أجد علامة الجيش الإسرائيلي عليها، وانقبض قلبي فقد كان الكثير من الدبابات الإسرائيلية).

وقال أيضا: (مع أن مناظر الحرب أو المعركة لم تكن غريبة بالنسبة لي، فإنني لم أشاهد على الإطلاق مثل ذلك المنظر؛ لا على الطبيعة، ولا في اللوحات، ولا في أفظع أفلام السينما الحربية؛ لقد كان أمامنا ميدان واسع شاسع لمذبحة أليمة، يمتد إلى أبعد ما تستطيع العين الوصول إليه!).

وأضاف: (كانت الدبابات والعربات المدرعة والمدافع، وعربات الذخيرة المعطلة والمقلوبة والمحطمة دليلًا مروعًا على المعركة الرهيبة التي دارت هنا).

وقال ديان: (لقد طلبت مقابلة الكولونيل عوزي مائير قائد قوات المظلات الإسرائيلية الذي حارب معركة المزرعة الصينية في ظروف صعبة، ووجدته مرهقًا، ولم أكن أتصور أن أراه على هذه الحالة من الاكتئاب)، (ولقد تحدثنا عن المعركة وحاول الجنرال بارليف الذي كان يرافقني أن يهدئ من حالته، لكنه رد بحِدَّة، وقال: لقد تسرعتم في تكليفي بهذه المهمة، لقد خسرت 70 رجلًا من أفضل رجالي، وضِعْفهم من المصابين الذين تم إخلاؤهم).

سير المعركة:

ذكر العميد أركان حرب عادل يسري في كتابه (رحلة الساق المعلقة) أن العدو زاد حشد قوته في سيناء (ودفع خلال ليلة 14 / 15 أكتوبر على المحور الأوسط إلى منطقة الطاسة اللواء المدرع 421 ولواء مظلات محمول على عربات مدرعة برمائية م 113.

أتم العدو استعواض خسائره من المعدات والذخائر خلال يوم 15 أكتوبر، وقام بأعمال صيانة وإصلاح لمعداته بعد المعركة الرهيبة للدبابات، وبدأ في تجميع قواته، ودفع خلال يوم 15 أكتوبر بعض معدات العبور (أي: عبور قناة السويس) على المحور الأوسط. وركَّز العدو هجماته المضادة اعتبارًا من صباح اليوم على الجانب الأيمن للفرقة 16 المشاة المصرية شرق القناة، وأعاد احتلال نقطته القوية (تل سلام) التي كان قد هجرها، ثم احتل النقطتين القويتين في الدفرسوار شرق القناة والتي دمرتهما قواتنا قبل إخلائهما).

وتمت الهجمات كالتالي:

- هاجمت كتيبةَ دبابات إسرائيلية (أكثر من ثلاثين دبابة) كتيبةُ مشاة بقيادة أحمد إسماعيل، الذي ظلَّ يصد هجمات مضادة متلاحقة لمدة 9 أيام متتالية، وقد صد الهجوم المضاد بعد أن دمر للعدو أكثر من 10 دبابات.

- ويشغل العدو قواتنا شرق القناة، ويحيدها بهجمات مضادة قتالية في مجموعات سرايا دبابات مدعمة بالمشاة الميكانيكية على طول المواجهة مع تدعيمها بنيران مدفعية وطيران، وأمكن صد جميع هذه الهجمات وتدمير أعداد منها، ويستمر العدو في التركيز بمدفعيته وطيرانه طول اليوم لإجهاد قواتنا في الضفة الشرقية)، (واعتبارًا من الساعة العاشرة مساء يوم 15 أكتوبر يركِّز العدو هجماته المضادة على الجانب الأيمن للفرقة 16 لإزاحتها شمالًا في اتجاه الإسماعيلية، ويركِّز هجومه على النقطة القوية (تل سلام)، وتتحرك أرتال مدرعاته للحشد في المنطقة طوال الليل وتلاحقها نيران المدفعية المصرية، وتتسلل مجموعة قتال إسرائيلية صغيرة في ظلام الليل تحت ستر أعمال قتال القوات الإسرائيلية مع الفرقة 16 المشاة وتعبر قناة السويس في منطقة شمال البحيرات المرة والدفرسوار).

و(تم إبرار سريتي مظلات محملة على طائرات هليكوبتر ليلة 15 / 16 أكتوبر. وتم عبور سرية مظلات محملة على عربات مدرعة برمائية م 113 عند اتصال البحيرات المرة مع قناة السويس، ثم عبور 5 دبابات من اللواء 421 المدرع الإسرائيلي، وتحت حماية وستر مجموعة التسلل؛ بدأ المهندسون الإسرائيليون في فتح الثغرات في الساتر الترابي على الضفة الغربية للقناة والشرقية في مكان متوسط بين نقطتي الدفرسوار القويتين.

وتأخر وصول المعلومات عن إبرار مجموعة التسلل إلى القيادة المصرية، ولم يتم التأكد منها إلا صباح يوم 16 أكتوبر 73، فبدأت المدفعية المصرية في قصفها، كما بدأت هجمات مدرعة محدودة تمكن العدو من صدها).

وعن عمليات يوم 16 أكتوبر يقول العميد أركان حرب عادل يسري: (ركَّز العدو هجماته المضادة لليوم الثاني ضد الفرقة 16 المشاة مع شغل باقي قواتنا شرق القناة وتثبيت القوات الإسرائيلية على الجبهة السورية، مع الاستمرار في الاحتفاظ بالخطوط المكتسبة)، (ويستمر الدعم الأمريكي، وتتم القوات الإسرائيلية خلال هذا اليوم استعواض خسائرها، وتقوم حوالي 80 دبابة من اللواء 14 المدرع الإسرائيلي مدعمة بالمشاة الميكانيكية بعد قصف طويل بالمدفعية والطيران بالهجوم على لواء مشاة من الفرقة 16، يمكِّن للعدو بعد معارك مريرة وخسائر فادحة في دباباته من إزاحة اللواء المصري شمالًا) (انظر: رحلة الساق المعلقة، ط. الهيئة المصرية للكتاب - 1978 م، 248 - 251 بتصرفٍ).

والحقيقة: إن الفرقة 16 كانت تضطر أحيانًا من ضغط الهجمات وطول المعارك إلى التراجع التكتيكي قليلًا، ثم تعاود الرجوع لتخفيف الضغط عليها، لكنها ظلت في النهاية تتمسك بمواقعها رغم شراسة القتال وتفوق العدو؛ الذي تكبَّد خسائر فادحة في العتاد والأفراد.

قال العميد عادل يسري: (وتبدأ مجموعة التسلل الإسرائيلية مهاجمة بعض قواعد الصواريخ أرض / جو غرب القناة من أول ضوء يوم 16 أكتوبر؛ لفتح ثغرة في دفاعنا الجوي، وفي مهاجمة القواعد الإدارية، وإرباك الخطوط الخلفية حيث تقل كثافة الدفاع. وتحت ستر هذه الأعمال القتالية تبدأ طلائع مجموعة العمليات رقم 45 بقيادة الجنرال (أريل شارون) المشكَّلة من 3 لواءات مدرعة أرقام 14، 600، 421، ولواء مظلي محمول على عربات مدرعة م 113 في العبور خلف مجموعة التسلل على معديات حاملات دبابات برمائية، ثم على الكباري التي أمكن للمهندسين الإسرائيليين إقامتها اعتبارًا من ليلة 16 / 17 أكتوبر، ويستمر عبورها عِدَّة ليال. وتستمر إسرائيل في شغل كل المواجهة المصرية شرق القناة مع الضغط بتركيز على الفرقة 16 المشاة).

(ويصل حجم الدبابات القائمة بالهجوم المضاد على الفرقة 16 المشاة في نهاية هذا اليوم إلى مائة وعشرة دبابات بالمشاة الميكانيكية، وتسندها الصواريخ والمدفعية ويعاونها الطيران، ويتبادل الطرفان الهجمات المضادة)، (ويدمر للعدو في هذا اليوم 27 دبابة وثماني طائرات، وتخفق الهجمات المضادة للعدو الإسرائيلي، ولكنه يستمر في الضغط متقبلًا الخسائر؛ لأن الإخفاق معناه ضياع عملية التسلل بكاملها، فتستمر مدفعيته ويستمر طيرانه طوال الليل في قصف الفرقة 16 المشاة، ويستمر اللواء 421 المدرع الإسرائيلي لتابع لقوات شارون في التدفق والعبور غربًا) (المصدر السابق، ص 251 - 252 بتصرفٍ).   

وفي يوم 17 أكتوبر يستمر العدو في تركيز هجماته المضادة على الفرقة 16 المشاة هجمات ليلية ونهارية، ويحشد لذلك حوالي 250 دبابة مركز مجهوده الرئيسي على الجانب الأيمن، وتتعرض كتيبة دبابات إسرائيلية للحصار داخل رأس كوبري الفرقة الإسرائيلية فيقوم اللواء 14 المدرع الإسرائيلي في الساعة الثانية ليلًا بالهجوم على القوات المصرية لاختراق الحصار والوصول إلى كتيبة الدبابات الإسرائيلية المحاصرة، ولكن يخفق الهجوم المضاد، ويضطر العدو إلى سحب اللواء 14 بعيدًا عن جنوب (تل سلام) بحوالي 6 كم لاستعواض خسائره. 

ومن الساعة السادسة صباحًا يبدأ العدو مهاجمة الفرقة 16 المشاة بقوات جديدة حوالي 40 دبابة من اللواء 460 المدرع الإسرائيلي، ثم يهجم العدو بحوالي 100 دبابة من اللواء 600 الإسرائيلي مدعمة بالمشاة الميكانيكية بجوار القناة من اتجاه الدفرسوار في اتجاه الشمال، (وينجح العدو بعد معارك رهيبة وخسائر فادحة في تحقيق الاتصال بكتيبة دبابات اللواء 14 الإسرائيلي المحاصرة، وفي إزاحة الفرقة 16 المشاة شمالًا 4 كيلو مترات، وفي تأمين جزء من الساتر الترابي على الضفة الشرقية، ويتمسك العدو به لتأمين عبور المجموعة 45 قتال إلى الضفة الغربية. ومع صباح يوم 17 أكتوبر الساعة العاشرة صباحًا يكون للعدو غرب القناة كتيبتا دبابات من اللواء 421 المدرع، وكتيبتا مظلات محمولة على عربات مدرعة م 113 برمائية)، (ويهاجم العدو جوًّا مطار القطامية قرب السويس محاولًا منع قواتنا الجوية من استخدامه) (المصدر السابق، ص 256 - 257 بتصرفٍ).

 لقد نجحت القوات المصرية في منطقة المزرعة الصينية في تحقيق ملحمة من الصمود للهجمات الإسرائيلية الشرسة المتلاحقة لمدة ثلاثة أيام متتالية لم تترك فيها موقعها، وكبَّدت العدو خسائر غير متوقعة أذهلت قيادات العدو.  

وللحديث بقية إن شاء الله.