سنة التدافع

  • 60

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال -تعالى-: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: 251)، أي: لولا دفعُ الله عن قومٍ بآخرين بما يخلقه ويقدره مِن أسباب، كما قال -عزَّ وجلَّ-: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40).

وقرأ نافع وأبو جعفر ويعقوب "دِفاع" في الموضعين. والتدافع دفع هؤلاء لهؤلاء، وهؤلاء لهؤلاء، في الصراع بين الخير والشر، بين الحق والباطل، وقد يحدث التدافع بين أهل الشر والباطل أنفسهم، وقد يقع بين أهل الخير والحق.

وقال -تعالى-: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) (النساء: 90)، وقال: (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ) (آل عمران: 152)، وقال: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) (الفتح: 24)، وقال: (الم . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّـهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ) (الروم: 1- 4).

والـ(صَوَامِعُ) معابد رهبان النصارى، والـ(بِيَع) المعابد الكبيرة، والـ(صَلَوَات) كُنس اليهود، وقد كانت قبل نَسْخ الشرائع مثل المساجد، يذكر اسم الله فيها، ويُوحد، ويُعبد وحده لا شريك له، كما كان الموحدون من أتباع موسى وعيسى -عليهما السلام- هم المسلمون في الأرض. 

واعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ برأها الله، وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل. (مقدمة ابن خلدون).

فالصراع مستمر حتى زمن عيسى عليه السلام، بعد ما يقتل الدجال، وبعد هلاك يأجوج ومأجوج، يعيش المسلمون في الأرض مدة معينة، هي قصيرة بالنسبة لعمر الأرض، يكون فيها سلم كامل، وبعد ذلك يقبض الله أرواح المؤمنين، ويبقى شرار الخلق.

والحكمة من سُنة التدافع، حفظ الدين من الانهيار: (لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) وحفظ الدنيا من الفساد (لَفَسَدَتِ الأَرْضُ).

وأهل الشر والباطل يتصارعون تنافسًا على الدنيا، والجاه والنفوذ والسيطرة، وليس هذا مِن جنس مواجهة الحق للباطل، والخير للشر، ولكن الله سبحانه يُشغل بعضهم ببعض، ويُضعف بعضهم بعضًا، فيحصل مِن وراء ذلك نجاة وقوة لأهل الحق، ولا يقتصر التدافع على القتال، فقد تكون مدافعة سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو بالقلم واللسان، ونحو ذلك.