• الرئيسية
  • المقالات
  • الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (94) دين إبراهيم وهو دين جميع الأنبياء واحد وهو قائم على الوحي المُنَزَّل (14)

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (94) دين إبراهيم وهو دين جميع الأنبياء واحد وهو قائم على الوحي المُنَزَّل (14)

  • 43

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال الله -تعالى-: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(النساء: 165).

نُقُول أهل العلم في شروط إقامة الحجة الرسالية قبل تكفير المعين:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ففي الجملة: الأجر هو على اتباعه الحق بحسب اجتهاده، ولو كان في الباطن حق يناقضه هو أولى بالاتباع لو قَدَر على معرفته، لكنه لم يقدر؛ فهذا كالمجتهدين في جهة الكعبة، وكذلك كل من عبد عبادة نهي عنها ولم يعلم بالنهي، لكنها من جنس المأمور به، مثل مَن صلَّى في أوقات النهي وبلغه الأمر العام بالصلاة ولم يبلغه النهي، أو تمسك بدليل خاص مرجوح، مثل: صلاة جماعة من السلف ركعتين بعد العصر؛ لأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- صلاهما.

ومثل صلاة رويت فيها أحاديث ضعيفة أو موضوعة كألفية نصف شعبان وأول رجب وصلاة التسبيح، كما جوزها ابن المبارك، وغير ذلك -(قلتُ: أما صلاة التسابيح؛ فقد صحح أحاديثها جماعة من العلماء، وهي ليست في الضَّعْف مثل: ألفية نصف شعبان وأول رجب؛ فإنها موضوعة بلا شك، أما صلاة التسابيح فحديثها حسنة، وإن كان غيرها أولى منها إذا كان فيها تطويل للقراءة، وأما مَن لا يحسن تطويل القراءة؛ فصلاة التسابيح مشروعة له)-.

قال: فإنها إذا دخلت في عموم استحباب الصلاة ولم يبلغه ما يوجب النهي أُثِيب على ذلك، وإن كان فيها نهي من وجه لم يعلم بكونها بدعة تُتخذ شعارًا، ويُجتمع عليها كل عام؛ فهو مثل أن يحدث صلاة سادسة؛ ولهذا لو أراد أن يصلي مثل هذه الصلاة بلا حديثٍ لم يكن له ذلك، لكن لما روي الحديث اعتقد أنه صحيح فغلط في ذلك؛ فهذا يغفر له خطؤه ويُثَاب على جنس المشروع، وكذلك مَن صام يوم العيد ولم يعلم بالنهي، بخلاف ما لم يشرع جنسه مثل الشرك، فإن هذا لا ثواب فيه وإن كان الله لا يعاقب صاحبه إلا بعد بلوغ الرسالة، كما قال -تعالى-: (‌وَمَا ‌كُنَّا ‌مُعَذِّبِينَ ‌حَتَّى ‌نَبْعَثَ ‌رَسُولًا(الإسراء: 15)، لكنه وإن كان لا يعذب؛ فإن هذا لا يُثَاب، بل هذا كما قال -تعالى-: (‌وَقَدِمْنَا ‌إِلَى ‌مَا ‌عَمِلُوا ‌مِنْ ‌عَمَلٍ ‌فَجَعَلْنَاهُ ‌هَبَاءً ‌مَنْثُورًا(الفرقان: 23)، قال ابن المبارك: هي الأعمال التي عُمِلَت لغير الله. وقال مجاهد: هي الأعمال التي لم تُقبَل. وقال -تعالى-: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ ‌فِي ‌يَوْمٍ ‌عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ(إبراهيم: 18).  

فهؤلاء أعمالهم باطله لا ثواب فيها، وإذا نهاهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- عنها فلم ينتهوا عُوقِبوا، فالعقاب عليها مشروط بتبليغ الرسول، وأما بطلانها في نفسها؛ فلأنها غير مأمور بها، فكل عبادة غير مأمور بها؛ فلا بد أن يُنهَى عنها، ثم إن علم أنها منهي عنها وفعلها استحق العقاب، فإن لم يعلم لم يستحق العقاب، وإن اعتقد أنها مأمور بها وكانت مِن جنس المشروع فإنه يُثَاب عليها، وإن كانت من جنس الشرك فهذا الجنس ليس فيه شيء مأمور به، لكن قد يحسَب بعض الناس في بعض أنواعه أنه مأمور به، وهذا لا يكون مجتهدا؛ لأن المجتهد لا بد أن يتبع دليلًا شرعيًّا، وهذه لا يكون عليها دليل شرعي، لكن قد يفعلها باجتهاد مثله، وهو تقليده لمن فعل ذلك من الشيوخ والعلماء، والذين فعلوا ذلك قد فعلوه؛ لأنهم رأوه ينفع أو لحديث كذب سمعوه، فهؤلاء إذا لم تقم عليهم الحجة بالنهي لا يعذبون، وأما الثواب بالتقرب إلى الله فلا يكون بمثل هذه الأعمال" (مجموع الفتاوى، 20 / 32-32).

(قلتُ: ومعنى قوله: "قد يكون ثوابهم أنهم أرجح من أهل جنسهم"؛ يعني بذلك أن أهل الكتاب مع كفرهم أرجح من عُبَّاد الأوثان، وكلهم من جنس واحد في الشرك، لكن الذين يقرون بالوحدانية في الجملة وبالنبوة والكتب المنزَّلة، أرجح من جنسهم، وأهون شرًّا منهم).

وقال -رحمه الله-: "ومَن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضًا كافر، إذا قامتْ عليه الحجة التي يكفر تاركها" (مجموع الفتاوى 1 /112).

وقال -رحمه الله-: "وهكذا الأقوال التي يُكفَّر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكَّن مِن فهمها، وقد يكون قد عَرَضَت لها شبهات يعذره الله بها، فمَن كان مِن المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائنًا ما كان؛ سواء كان في المسائل النظرية أو العملية؛ هذا الذي عليه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وجماهير أئمة الإسلام، وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفَّر بإنكارها ومسائل فروع لا يكفَّر بإنكارها؛ فأما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول وبين نوع آخر وتسميته مسائل الفروع؛ فهذا الفرق ليس له أصل لا عن الصحابة، ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم مِن أهل البدع وعنهم تلقَّاه مَن ذكره مِن الفقهاء في كتبهم" (مجموع الفتاوى 23/ 346).

قلتُ: (وهذا النقل والذي قبله واضح تمام الوضوح في بيان أن العذر بالجهل في أحكام الدنيا كما هو في أحكام الآخرة؛ فهو يتكلم عن التكفير وعن العقوبة في الآخرة، وفي هذا الرد الواضح على مَن يزعمون أن العذر بالجهل يكون في أحكام الآخرة دون أحكام الدنيا، فيحكمون على مَن نطق الشهادتين أو وُلِد مسلمًا وثَبَت له الإسلام ووقع في أشياء من الشرك جاهلًا بأنه كافر في الدنيا ويعامل كالكفار، ويكون في أحكام الآخرة معذورًا ممتحنًا فهذا الكلام باطل يخالف ما نَصَّ عليه شيخُ الإسلام بناءً على ما ثَبَت من الأدلة التي سبق أن ذكرناها في أول هذه المسائل.

ثم هو ينص على أن بدعة تقسيم المسائل في قضية العذر بالجهل وإقامة الحجة، إلى مسائل أصول ومسائل فروع، كما يقوله بعض أهل زماننا مِن أن مسائل الشرك لا يُعذَر فيها بالجهل ولو ثبت أنه لم تقم عليه الحجة، وإنما العذر بالجهل في المسائل الخفية؛ هذا القول باطل مأخوذ عن المعتزلة، ليس عند أئمة السنة.

وإن كان التقسيم إلى مسائل أصول وفروع؛ لتسهيل التعلُّم، وتوضيح الأقسام، تقسيم اصطلاحي لا مشاحة فيه طالما لم يبنى عليه حكم، أما أن يبني عليه حكم فيقال هذه المسائل لا عذر بالجهل فيها، ولا تلزم إقامة الحجة الرسالية فيها؛ فهذا القول باطل محدث لا شك في بدعته).

قال -رحمه الله-: "والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية، كمَن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث، وكان لذلك ما يعارضه ويبيِّن المراد، ولم يعرفه، مثل مَن اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته، أو اعتقد أن الله لا يُرَى؛ لقوله -تعالى-: (‌لَا ‌تُدْرِكُهُ ‌الْأَبْصَارُ(الأنعام: 103)، ولقوله: (‌وَمَا ‌كَانَ ‌لِبَشَرٍ ‌أَنْ ‌يُكَلِّمَهُ ‌اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ(الشورى: 51)، كما احتجت عائشة بهاتين الآيتين على انتفاء الرؤية في حق النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإنما يدلان بطريق العموم.

وكما نُقِل عن بعض التابعين: أن الله لا يُرَى وفسَّروا قوله: (‌وُجُوهٌ ‌يَوْمَئِذٍ ‌نَاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(القيامة: 22-23)، بأنها تنتظر ثواب ربها، كما نقل عن مجاهد وأبي صالح، أو مَن اعتقد أن الميت لا يعذَّب ببكاء الحي؛ لاعتقاده أن قوله: (‌وَلَا ‌تَزِرُ ‌وَازِرَةٌ ‌وِزْرَ ‌أُخْرَى(الأنعام: 164) يدل على ذلك؛ وأن ذلك يقدَّم على رواية الراوي؛ لأن السمع يغلط، كما اعتقد ذلك طائفة من السلف والخلف، أو اعتقد أن الميت لا يسمع خطاب الحي؛ لاعتقاده أن قوله: (‌فَإِنَّكَ ‌لَا ‌تُسْمِعُ ‌الْمَوْتَى(الروم: 52) يدل على ذلك.