الحقد وأثره السيئ على نفس المسلم

  • 62

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فالنفوس الخالية من الأحقاد نفوس راضية مطمئنة، علمت بما قسمه الله لها فرضيت بعطاء الله غير مستنكرة قسمة الله لها، مع سعيها في استجلاب ما ينفعها ودفع ما يضرها، حاملة في طياتها الحب والود للجميع دون تألم مما عند غيرها من نِعَمٍ أنعم الله بها عليهم.

فالحقد مرض خطير، والحاقد يعيش في شقاء، ودائمًا قلبه مشغول، ويعيش في توتر وعدم راحة بال، والحاقد لا يرى الدنيا إلا كغرفة ضيقة مظلمة، وصفاء النفس من نعم الله على العبد بالدنيا؛ لذلك من نعيم الجنة نزع هذا الغل والحقد من صدور المنعمين، كما قال -تعالى-: (‌وَنَزَعْنَا ‌مَا ‌فِي ‌صُدُورِهِمْ ‌مِنْ ‌غِلٍّ) (الأعراف: 43).

فكم من أُخوة فُقدت بسببه وكم من بيوت هدمت، ولنا في ابني آدم (قابيل وهابيل) العبرة في ذلك؛ فبعد أن مَنَّ الله على أخيه بالنِّعَم حَقَد عليه الآخر وقتله، وهي الجريمة الأولى التي أرتكبها ابن آدم، ولم يفق من فعلته إلا عندما استوفى جريمته، وهكذا الحقد يعمي البصر ويجعل على القلب غشاوة فتُمْحَى منه الرحمة والحب، ويستبدل مكانها القسوة والبغض.

ولو نظر الحاقد للنعيم الذي أعدَّه الله للراضين بقضائه وأرزاقه؛ لهانت كل الدنيا في نظره، ولعلا بنفسه وتورع عن النظر إلى إخوانه وما مَنَّ الله عليهم من خير وبركة بعين الحقد والحسد؛ سواء في مال أو زوج أو ولد، ولمَ لا فإن الدنيا لا تساوي عند خالقها جناح بعوضه؟! قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا ‌شَرْبَةَ ‌مَاءٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

فيا كل من ينظر لأخيه بعين الحقد وتمني زوال النعمة عليه؛ أنصحك بأن ترفق بنفسك، فالدنيا زائلة، وما عند أخيك من نعم فالمنعم عليه هو الله، وإذا كان للحاقد سلطة أو قوة؛ فإنه يسعى للانتقام مِن كلِّ مَن يظنه عدوًّا له.

والحاقد فيه شَبَه من الكفار الذين قال الله فيهم: (وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (آل عمران: 119)، فمجرد حقدك ونظرتك على أخيك وتمني زوال نعمة الله التي أنعم عليه بها؛ هو من الاعتراض على قسمة الله له!

وقد وردت الأدلة في الشريعة على ذمِّ هذا المرض الشنيع المهلك لصاحبه، المنغِّص عليه دينه ودنياه؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، ‌وَلَا ‌تَحَاسَدُوا، ‌وَكُونُوا ‌عِبَادَ ‌اللَّهِ ‌إِخْوَانًا) (متفق عليه)، وهذا الحديث في الصحيحين، وفي طرق أخرى يدلنا من خلاله على حرمة هذا المرض الخطير، والذي يفقد المسلم أفضل المعاني وعلى رأسها معنى الأخوة في الله، فإن من أكبر علامات الأخوة في الله هي تمني الخير لأخيك؛ لا أن تتمنى له الهلكة، وأن يزول ما عنده من نعيم أنعم الله به عليه، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ ‌أَفْشُوا ‌السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) (رواه مسلم).

وقد حَرَّم الله على المؤمنين ما يوقع بينهم العداوة والبغضاء، كما قال -تعالى-: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) (المائدة: 91).

ولهذه المعاني حرَّم الله المشي بالنميمة بين الناس؛ لما فيها من حقدٍ فاقدٍ لمعنى الأخوة، ولما فيها مِن إيقاع العداوة والبغضاء، وقد رخَّصَت الشريعة الكذب للإصلاح بين الناس؛ لدفع الحقد والبغضاء وإزالتها من القلوب، قال ابن رجب -رحمه الله-: "ورخص في الكذب في الإصلاح بين الناس، ورغب الله في الإصلاح بينهم، كما قال -تعالى-: (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء:114)" (جامع العلوم والحكم).

فصفاء القلوب وسلامة الصدور من أفضل وأجل النعم على العبد ليكون بها سعيدًا في دنياه وأخراه.

وعن زيد بن أسلم: أنه دخل على ابن أبي دُجانة، وهو مريض، وكان وجهه يتهلَّل، فقال له: "ما لك يتهلَّل وجهك؟ قال: ما من عملِ شيءٍ أوثق عندي من اثنين: أمَّا أحدهما، فكنتُ لا أتكلَّم بما لا يعنيني، وأما الأُخرى: فكان قلبي للمسلمين سليمًا".

وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أنه كان يدعو لسبعين من أصحابه، يسمِّيهم بأسمائهم، وهذا العمل علامة على سَلَامة الصَّدر.

وقد كان أبو موسى الأشعري صوَّامًا قوَّامًا، ربَّانيًّا، زاهدًا، عابدًا، ممَّن جمع العلم والعمل والجهاد وسَلَامة الصَّدر؛ لم تغيره الإمارة، ولا اغترَّ بالدُّنيا.

فالواجب على كلِّ مسلم صفي النفس: أن يحبَّ جميعَ المسلمين، ولا يحسدهم ولا يحقد عليهم، بل يرجو لهم المزيد من الخير والهداية والتوفيق، مع النصح لهم، فهم مجموعون على "لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم"؛ فوجبت لهم المحبة لذلك، فإن قصَّروا في أداء متطلباتها فيكره معاصيهم ويذكرهم بحقوق ربهم عليهم.

والحمد لله رب العالمين.