وقفات مع حديث السحابة (1)

  • 41

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (بَيْنَما رَجُلٌ بفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، فَسَمِعَ صَوتًا في سَحابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحَّى ذلكَ السَّحابُ، فأفْرَغَ ماءَهُ في حَرَّةٍ، فإذا شَرْجَةٌ مِن تِلكَ الشِّراجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذلكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الماءَ، فإذا رَجُلٌ قائِمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بمِسْحاتِهِ، فقالَ له: يا عَبْدَ اللهِ، ما اسْمُكَ؟ قالَ: فُلانٌ، لِلاِسْمِ الذي سَمِعَ في السَّحابَةِ، فقالَ له: يا عَبْدَ اللهِ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فقالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوتًا في السَّحابِ الذي هذا ماؤُهُ يقولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، لاِسْمِكَ، فَما تَصْنَعُ فيها؟ قالَ: أمَا إذْ قُلْتَ هذا، فإنِّي أنْظُرُ إلى ما يَخْرُجُ مِنْها، فأتَصَدَّقُ بثُلُثِهِ، وآكُلُ أنا وعِيالِي ثُلُثًا، وأَرُدُّ فيها ثُلُثَهُ).

هذه القصة مِن رَوَائعِ القصصِ النبويِّ الصحيح، ونحنُ نقفُ -بإذن الله- مع عباراتِ هذه القصة؛ لنستخلصَ منها أهَمَّ الفوائدِ والعِبَرِ:

رعاية الله وحفظه للصالحين:

 قال -عليه الصلاة والسلام-: (بَيْنَما رَجُلٌ بفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، فَسَمِعَ صَوتًا في سَحابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ)، وفي روايةِ الطَيَالِسِيِّ: (إِذْ سَمِعَ ‌رَعْدًا ‌فِي ‌سَحَابٍ، فَسَمِعَ فِيهِ كَلامًا: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ)، وهذا الرجل كان يسيرُ في الصحراء حيث يندُرُ الماء ويقِلُّ الزَّرعُ، وبينما هو كذلك إذ سَمِعَ صوتًا يقول: (اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ!)، فتعجَّب الرَّجل لِمَا سَمِعَهُ؛ فالأرضُ خالية مِن البَشَر، ثم أدرك أنَّ الصوتَ صادرٌ مِن السحابة التي فَوقَهُ، فازدادَ عجبًا وإصرارًا على استكشاف السبب.

وهنا عدَّةُ أمورٍ:

الأول: إمكانُ سماع صوت الملائكة؛ فقد وَرَدَ في السُنَّةِ النبويةِ مواقفَ عِدَّةٍ فيها تكليم الملائكة للبشر، منها ما رواه مسلمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: (أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ، ‌عَلَى ‌مَدْرَجَتِهِ، مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ، قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللهِ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ، بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ).

الثاني: ‌‌للسحاب ملائكةٌ مُوكَّلُونَ به، فاللهُ قد وَكَّلَ بالسَّحابِ ملائكةً يسوقونها إلى المكان الذي قدَّر الله أن تمطرَ فيه فتمطر، كما قال -تعالى-: (فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا) (الصافات: 2)، هُم الملائكة تزجرُ السحابَ، أي: تسوقُهُ حيث شاءَ اللهُ.

وميكائيلُ هو الموَكَّلُ بالقَطْرِ والنباتِ اللذَين يُخلَقُ منهما الأرزاق، وله أعوانٌ يفعلون ما يأمرهم به بأمر ربِّهِ، يُصرِّفون الرياح والسَّحاب كما يشاءُ الرَّبُّ -سبحانه وتعالى-، وعن ابنِ عّبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلَتْ يَهُودُ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالُوا: يَا أَبَا القَاسِمِ، أَخْبِرْنَا عَنِ الرَّعْدِ مَا هُوَ؟ قَالَ: (مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ ‌مُوَكَّلٌ ‌بِالسَّحَابِ، مَعَهُ مَخَارِيقُ مِنْ نَارٍ يَسُوقُ بِهَا السَّحَابَ حَيْثُ شَاءَ اللهُ)، فَقَالُوا: فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الذِي نَسْمَعُ؟ قَالَ: (صَوتُهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقد يسقي بلادًا دون بلاد، أو قريةً دون أخرى، وقد يُؤمَرُ بأن يسقيَ زرعَ رجلٍ واحدٍ دون سِواه، كما في هذا الحديث.

الثالث: رعايةُ الله وحفظِهِ للصالحين مِن عباده الذين يستقيمون على أمرِهِ؛ إذا رضي الله عن العبد سخَّر له ما يشاء، وغيَّر له نَوَامِيس الكَون، ففي القصة: (اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ)، وفي قصة الرجل الأمين والخشبة: (فرَمَى بها في البَحرِ حتَّى وَلَجَتْ فيه، ثمَّ انصَرَفَ)، وفي آخر القصة، قال: (فإنَّ اللَّهَ قدْ أَدَّى عَنْكَ الذي بَعَثْتَ في الخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بألْفِكَ رَاشِدًا).

 وهناك نماذجُ كثيرة في القرآن والسُنَّة تُظهِرُ كيف غيَّرَ اللهُ للصالحين نَوَامِيس الكَون، منها:

- هاجرُ أمُّ إسماعيلَ وقصةُ بئر زمزم.

- مريمُ وتَوَفُّرُ الرزق في محرابها.

- جريجُ العابدِ وإنطاقُ اللهِ لرضيع المرأةِ البَغِيِّ.

فهذا الرجل الذي سخَّرَ الله له السَّحاب والمطر لحديقتِهِ؛ بسبب صلاحِهِ واستقامته، يَصدُقُ فيه قولُ الله -تعالى-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (الطلاق: 2-3).

الرابع: إثبات كرامات أولياء الله تعالى، فالله -عز وجل- سَخَّر لهذا الرجل سحابًا خاصًّا لسُقيا حديقته: (اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ)، مِن بين جميع حدائق تلك المنطقة.

 ومِن أصول عقيدة أهل السُنَّة والجماعة: إثباتُ كرامات الأولياء، والكرامة: هي شيءٌ خارقٌ للعادة يُجريه اللهُ لأوليائه المؤمنين أو على أيديهم؛ إكرامًا لهم وإظهارًا لفضلهم.

وللحديث بقية إن شاء الله.