وقفة ممطرة!

  • 52

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن المسلم الحصيف هو الذي يتلمَّس الدروس والعِبَر والعِظَات في كلِّ موقفٍ أو مشهدٍ مِن مشاهد الكون الفسيح؛ فلله -عز وجل- في كلِّ مشهد من المشاهد حكم عظيمة، ومِنَن جزيلة عَلِمَها مَن علمها، وجهلها من جهلها؛ يظهر الله بعضها، ويخفي بعضها لحكمة عنده -سبحانه-، لعل قلبًا يتعظ أو نفسًا تدكر.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان في كل مشهد من تلك المشاهد المتعددة قدوة لنا في تعلق العبد بربه، مع حرصه على صلاح العباد والبلاد؛ يظهر ذلك في كلماته الجامعات -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد أوتي -صلى الله عليه وسلم- جوامع الكلم.

وها نحن الآن نعيش في فصل الشتاء، وتمطرنا السماء؛ فهلَّا تدبرنا في كلمات ومواقف النبي -صلى الله عليه وسلم- حال نزول الأمطار؛ فقد ورد في الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله -صَلّى الله عَلَيْه وَسَلّم- كان إذا رأى المطر قال:  (‌اللَّهُمَّ ‌صيبا ‌نَافِعًا) (رواه البخاري)؛ أي اجعله مطرًا أو عطاءً نافعًا؛ فالصيب: هو المطر النازل أو العطاء. ونافعًا: أي: يُرجَى خيره؛ فهو مطر يقع على الأرض فتنبت به النباتات، وينزل في جوفها فيُسقي الناس منه فيما بعد.

فانظر -رحمني الله وإياك- إلى ذلك القيد النبوي: (نَافِعًا)؛ لأنه قد يكون هناك عطاء ينزل، ولكنه لا ينفع؛ كما صَحَّ عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا، وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا) (رواه مسلم)؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يجعل الجدب (السَّنَةُ) هنا هو عدم نزول المطر؛ إنما جعله بضياع ما يترتب عليه من البركة والمنفعة.

وهنا يعلِّمنا النبي -صلى الله عليه وسلم- الدرس المهم؛ وهو: ألا نتعلَّق كأفرادٍ بمجرد طلب العطاء الذي نتمناه، إنما يجب أن يكون التعلق بالعطاء الذي فيه البركة، والنفع الخاص والعام، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا إن كان الأمر على ما يرضي الله، فالبركة لا تكون إلا مِن الله، وما عند الله لا يُنال إلا بطاعته.

وليحذر أحدنا أن يكون سعيه لتحصيل ما يطلبه مرتبطا بمجرد الرغبة في التملك والعطاء ولو كان بسبيل يغضب الله -كما يفعل الكثير الان من السعي للحصول على الأموال تحت ضغط الظروف الاقتصادية، بالاقتراض الربوي الذي يتسبب في خراب البلاد، وضياع العباد؛ كونه حربًا من الله كما أخبر الله-؛ فهذا هو عين الفساد الذي يهلك الحرث والنسل، وصدق الله حين قال: (‌ظَهَرَ ‌الْفَسَادُ ‌فِي ‌الْبَرِّ ‌وَالْبَحْرِ ‌بِمَا ‌كَسَبَتْ ‌أَيْدِي ‌النَّاسِ) (الروم: 41)   

وفي الختام: فهذه الوقفة الممطرة فيها من الإشارات ما نحتاجه في بلادنا في تلك الأوقات؛ فإن لم تعجبك إشاراتي؛ فلا أقل مِن أن تعتبر زفراتي:

احفَظـــوها إِنَّ مِصـــر إن تَضِع              ضاعَ في الدُنيا تُراثُ المُسلِمينْ