• الرئيسية
  • المقالات
  • علوم القرآن وارتباطها بالعلوم الأخرى (11) تابع الأحرف السبعة وعلاقتها بالقراءات المتواترة

علوم القرآن وارتباطها بالعلوم الأخرى (11) تابع الأحرف السبعة وعلاقتها بالقراءات المتواترة

  • 33

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد مَرَّ بنا في أحداث هذه السلسلة الحديث عن الأحرف السبعة، وعلاقتها بالقراءات المتواترة، ونقف في هذا المقال على قراءات الأئمة السبعة وصلتها بالأحرف السبعة. 

فليست الأحرف الواردة في الأحاديث هي قراءات الأئمة السبعة؛ للآتي:

أولًا: أن هذا يلزم منه بقاء الأحرف السبعة وعدم نسخ شيء منها، وهذا مخالف لإجماع الأمة: أن الأحرف السبعة كان سبب نزولها في البداية التيسير على الأمة.

ثانيًا: فعل الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه من كتابة المصاحف المقروء بها اليوم، وحرقه ما سواها؛ يؤكِّد بطلان هذا الرأي.

ثالثًا: أنه يلزم من ذلك الرأي: عدم صحة القراءات غير السبعة: كأبي جعفر، ويعقوب، وهذا خلاف الإجماع.

رابعًا: أن كل الأئمة السبعة من القُرَّاء تلقَّى عنهم كثيرون بروايات مختلفة، وهذه الروايات بمثابة قراءة الإمام؛ فلو كانت الأحرف السبعة قراءات الأئمة السبعة لما استطعنا إحصاءها مِن الكثرة.

قال العلامة أبو شامة: "ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الأحاديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة؛ إنما يظن ذلك بعض أهل الجهل، فالصواب أن قراءة الأئمة السبعة، بل العشر المقروء بها اليوم، جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وورد بها حديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، وهي موافقة لآخر عرضة، عرض فيها جبريل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، وكلها متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم".  

وأخرج ابن أَشْتَة عن ابن سيرين قال: "القراءة التي عُرِضَت على النبي صلى الله عليه وسلم في العام الذي قُبِض فيه هي قراءة الناس اليوم، وهذه القراءات العشر موافقة لخط المصاحف التي وجهها الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار، وأجمع الصحابة عليها" (أبحاث في القرآن الكريم للشيخ القاضي).

وفي شرح "طيبة النشر في القراءات العشر" لأبي القاسم النويري: ذكر أن هذه الأحرف السبعة متفرقة في القرآن، وقال: "لا شك في ذلك، فمَن قرأ ولو بعض القرآن بقراءة معينة اشتملت على الأوجه المذكورة؛ فإنه يكون قد قرأ بالأوجه السبعة دون أن يكون قد قرأ بالأحرف السبعة". 

وقد ذكر أيضًا: أن المصاحف العثمانية اشتملت على جميع الأحرف السبعة، وهذه مسألة عظيمة فذهب إلى ذلك القول جماعة من الفقهاء والقراء والمتكلمين؛ بحجة أن الأمة يحرم عليها ترك شيء من السبعة، وخالفهم الجمهور إلى أنها مشتملة على ما يحتمله رسم المصحف من الأحرف السبعة فقط، بناءً على العرضة الأخيرة التي عرضها جبريل على النبي عليه الصلاة والسلام. 

قلتُ: وهو الظاهر؛ لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المستفيضة تدل عليه، وهذا يدل على أن القراءات التي يقرأ بها الناس اليوم في كلِّ الأمصار هي جميع الأحرف السبعة أو بعضها. 

وقال إمام عصره ابن تيمية: "ولا نزاع بين العلماء المعتبرين: أن الأحرف السبعة ليست القراءات السبعة؛ ولذلك لم يتنازع العلماء في أنه لا يتعين أن يقرأ بهذه القراءات المعينة، بل مَن ثبت عنده قراءة متواترة مستوفية للشروط والأركان؛ فله أن يقرأ بها بلا نزاع، بل أكثر العلماء الذين أدركوا قراءة حمزة بن حبيب الزيات: كسفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، وبشر بن الحارث، وغيرهم، يختارون قراءة أبي جعفر، وشيبة بن نصاح، وقراءة شيوخ يعقوب على قراءة حمزة" (نقله ابن الجزري في منجده عن فتوى ابن تيمية)

وقال الحافظ الذهبي: "وما رأينا أحدًا أنكر الإقراء بمثل قراءة يعقوب وأبي جعفر". 

وقال الكواشي في تفسيره: "ما اجتمعت فيه الشروط الثلاثة فهو من الأحرف السبعة؛ سواء وردت عن سبعة، أو سبعة آلاف". 

ونقل أبو القاسم النويري استفتاءً عن العلامة السبكي في القراءات المقروء بها اليوم: هل هي متواترة أم لا؟ وهل كل ما انفرد به واحد من العشرة بحرف من الحروف متواتر أم لا؟ وما الذي يجب على مَن جحدها أو حرفها؟ 

فأجاب قائلًا: "القراءات السبع التي نقلها الشاطبي، والثلاثة التي نقلها ابن الجزري متواترة معلومة من الدِّين بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحدٌ من العشرة معلوم من الدين بالضرورة؛ أنه منزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهل، وليس التواتر مقصورًا على القارئ فحسب، بل هي متواترة عند كلِّ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ولو كان مع ذلك عاميًّا جلفًا لا يحفظ من القرآن حرفًا" (انتهى بتصرف من شرح طيبة النشر للإمام ابن الجزري)

وأخيرًا: قلتُ: ومِن أقوى الأدلة على أن الأحرف السبعة ليس المراد بها الأئمة السبعة؛ فضلًا عن العشرة، وأنها لهجات وأوجه استوعبتها القراءات العشر، واشتملت على بعضها المصاحف: أن الأئمة السبعة أو العشرة، لم يكونوا موجودين في زمن نزول الوحي بالقراءات على النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ إن أكثر سور القرآن سور مكية، فدل ذلك على بطلان القول بأن الأحرف السبعة هم الأئمة السبعة، وكذلك مع قوة كلام العلامة أبو شامة السابق في أول مقالنا، ولله الحمد والمنة. 

وللحديث بقية إن شاء الله.