إيجابية لازمة (1)

  • 23

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

ففي ظلِّ هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة، والأوضاع الاجتماعية الضاغطة يحتاج العبد المسلم أن يفكِّر بطريقة إيمانية إيجابية، ترفع عنه المسئولية الشخصية أمام ربِّ البرية، وتُحقق له الإعانة الإلهية في مواجهة هذه الضغوطات المتتالية، وتشعره بالرضا، وتساعده في تحقيق الراحة النفسية اللازمة للاستمرارية في الحياة بإيجابية.

ومن ذلك:

١- يحتاج المسلم أن يتذكر دائمًا: أن الدنيا مهما طالت قصيرة بالنسبة للآخرة، وأنها دار اختبار وامتحان كما قال -تعالى-: (‌الَّذِي ‌خَلَقَ ‌الْمَوْتَ ‌وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك: 2)، وأنها دار لا تستقر على حال؛ فيرفع الله فيها أقوامًا ويضع آخرين، ويُغني أقوامًا وَيُفقر آخرين، وَيُعز أقوامًا ويُذل آخرين، وَيُميت أقوامًا وَيُحيي آخرين فـ(كُلَّ يَوْمٍ هُوَ ‌فِي ‌شَأْنٍ) (الرحمن: 29)، سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء كيفما يشاء، والمؤمن له دائمًا فيها -مع تبدل أحوالها- حال مختلف، كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌عَجَبًا ‌لِأَمْرِ ‌الْمُؤْمِنِ، ‌إِنَّ ‌أَمْرَهُ ‌كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) (رواه مسلم)، فالمؤمن يعلم أن الله -عز وجل- له القدرة البالغة والحكمة التامة -علمها مَن علمها و جهلها مَن جهلها-، منها ما يكون من تمحيص ما في قلوب المؤمنين، واستخراج أنواع من العبوديات يحبها الله -تعالى-: كالتوبة، والإنابة، والصبر، والرضا، والتوكل، والاستعانة، والافتقار لله -عز وجل-، ومنها ما يكون من تكفيرٍ للسيئات ورفع للدرجاتٍ، وإظهارٍ لما في مكنونات النفوس من خيرات حقيقية، ومحبة لنفع الآخرين في الدنيا سعيًا للجزاء الأوفى من الله -عز وجل- في الآخرة.

٢- من مظاهر الإيجابية الحقيقية في ظلِّ هذه الأزمة الاقتصادية -والتي يجب أن يبدأ بها الجميع وتستلزم التفاعل من الجميع-: ما يكون من التوبة والاستغفار، والرجوع والإنابة إلى الله، والابتعاد عما يجلب سخطه علينا، مِن: منع الزكوات، وأكل الربا، والتهاون في ذلك تحت ضغط الواقع الاقتصادي، أو مِن التهاون في انتشار مسببات الزنا والفواحش مع الوقوع فيها، أو الوقوع في الظلم والفساد وأكل الحرام، أو قطع الأرحام وعقوق الوالدين وتضييع حقوق البنات من الأخوات، وغير ذلك الكثير؛ فما نزل بلاء إلا بذنبٍ، وما رفع إلا بتوبةٍ واستغفارٍ؛ قال الله -تعالى-: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى: 30)، وقال أيضًا: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: 41)، وقال كذلك: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ‌وَلَا ‌تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) (هود: 52).

وقال -عز وجل- محذِّرًا عباده من قسوة القلب والتمادي: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ‌وَلَكِنْ ‌قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: 43)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (‌يَا ‌مَعْشَرَ ‌الْمُهَاجِرِينَ ‌خَمْسٌ ‌إِذَا ‌ابْتُلِيتُمْ ‌بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني).

فالحرص على رضا الرحمن والتوبة والاستغفار، والبُعد عن أسباب سخطه وغضبه، هي أول الخطوات الإيجابية الحقيقية.

وللحديث بقية إن شاء الله.