وقفات مع سورة الكهف (13)

  • 77

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فنتابع الحديث عن سورة الكهف والتي انتقل فيها المولى -تعالى- إلى ضرب الأمثال، فقال: (‌وَاضْرِبْ ‌لَهُمْ ‌مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا . كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا . وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا . وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا . وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا . قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا . لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا . وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا . فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا . أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا . وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا . وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا) (الكهف: 32-43).

وكنا توقفنا في المقال السابق عند تنبيه المؤمن الموحِّد لصاحبه بقوله: (لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا)، أي: لا أرى الغني والفقر إلا منه، وأنت لمَّا اعتمدت على مالك كنت مشركًا به، وقد كفر قبل ذلك بإنكار البعث والقيامة.

ثم شرع في نصحه قائلًا له: (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ).

قال ابن عاشور: "ولولا للتوبيخ".

وذكر ابن كثير عن بعض السلف قولهم: "إن مَن أعجبه شيء من ماله أو ولده؛ فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله".

(إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالا وَوَلَدًا)؛ لأن ما عند الله خير وأبقى، (فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ)؛ لأن جنتك معرَّضة للهلاك من قِبَل الله -لكفرك به- بأنواع من العقوبات، منها: (وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء) أي: عذابًا ترمى به، فتؤول إلى أرض زلقة لا تثبت عليها قَدَم.

وقال ابن كثير: "والظاهر أنه مطر عظيم مزعج يقلع زرعها وأشجارها".

وقال ابن عثيمين: "وخص السماء؛ لأن ما جاء من الأرض قد يُدافع، لكن ما نزل من السماء يصعب دفعه أو يتعذر".

وقال البقاعي: "ولما كانت المصابحة بالمصيبة أنكى، قال -تعالى-: (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا)".

وقال مجاهد: "رملًا هائلًا. وقيل: ترابًا أملس لا ينبت زرعًا، ولا تثبت عليه قَدَم.

قال ابن قتيبة: "الأملس المستوي، والزلق الذي تذل عنه الأقدام".

ثم انتقل للحديث عن عقوبة أخرى: (أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا) أي: غائرًا في الأرض لا يُستطاع الوصول إليه بالمعاول، ولا بغيرها، ثم جاءت عقوبة أخرى: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) أوقعت الإحاطة بالهلاك، والإحاطة الأخذ من كل جانب، مأخوذ من إحاطة العدو بالقوم إذا غزاهم .

وهنا فائدة مهمة: أن إحاطة العذاب به لا لمجرد الكفر؛ لأن الله قد يمتع كافرين كثيرين طوال حياتهم، ويملي لهم ويستدرجهم، وإنما أحاط به هذا العقاب؛ جزاءً على طغيانه، وجعله ثروته وماله وسيلة إلى احتقار المؤمن الفقير!

فكانت النتيجة: (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ).

قال ابن كثير عن قتادة: "يصفق كفيه متأسفًا متلهفًا على الأموال التي أذهبها عليه"، (عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا): هذا يدل على أنه أنفق فيها شيئًا كثيرًا، فصارت (وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) هامدة على عروشها، والعرش هو ما يوضع لتتمدد عليه أغصان الأعناب، وغيرها، وهنا أدركه الندم حين لا ينفع ندم، (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) تمنيًا لاعتماده على الله من غير إشراك.

(وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ) أي: لم يكن له عشيرة أو ولد ينصره، كما افتخر بهم ولو نصروا، (وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا)، فلن يستطيع الامتناع عن عذاب الله؛ لأن (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ) أي: في مثل هذه الشدائد العظيمة النصرة والسلطان لله الذي له الكمال كله الحق الثابت الذي لا يحول يومًا ولا يزول، ولا يغفل ساعة ولا ينام، ولا ولاية لغيره بوجه، ولذلك قال: (هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا) فالأعمال التي تكون لله -عز وجل- ثوابها خير، وعاقبتها حميدة رشيدة، وكلها خير.

وإلى لقاء في حلقة قادمة.