الحوار الوطني والحريات وحقوق الإنسان (3)

  • 39

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فما زلنا نسرد العناصر التي تُصبغ ممارستنا للحقوق والحريات بصبغة بيئتنا وثقافتنا العربية الإسلامية، بلا إفراط، ولا تفريط، حتى يتقبلها المجتمع، ويتفاعل معها.

ثامنًا: لقد أسهم الحراك العالمي في تعزيز وتحسين وتطوير حالة حقوق الإنسان على المستوى الفردي والجماعي منذ تأسيس الأمم المتحدة.

والعالم الغربي لم يعرف عالمية حقوق الإنسان؛ سواء وقت الحرب (القانون الدولي الإنساني) أو السلم (القانون الدولي لحقوق الإنسان)، وسواء كانت فردية (كحرمة المسكن) أو جماعية (كحق الشعوب في تقرير المصير) قبل 1945؛ وذلك لسببين رئيسيين، هما:

أولهما: شيوع فكرة السيادة.

وثانيهما: عدم التوصل إلى مبدأ منع استعمال القوة في العلاقات الدولية أو التهديد باستعمالها.

حيث صدر ميثاق الأمم المتحدة عام 1945، وتلاه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، ثم العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1966، ودخلا حيز التنفيذ عام 1976، وتم إنشاء المنظمات الإقليمية والمحلية المهتمة بحقوق الإنسان.

أما الشريعة الإسلامية فقد سبقت المجتمع الدولي في هذا المجال بقرون عديدة حيث قررت حقوق الإنسان وحرياته العامة منذ خمسة عشر قرنًا على أكمل وجه؛ بيد أن حقوق الإنسان في العالم العربي والإسلامي لم تتطور في العصور المتأخرة لأسبابٍ، منها:

- الحروب الصليبية.

- الاستعمار الغربي.

- البُعد عن الشريعة الإسلامية.

تاسعًا: يُقصد بمبدأ المساواة أمام القانون: خضوع كافة المراكز القانونية المتماثلة لمعاملة قانونية واحدة، على نحوٍ يتناسب بطريقة منطقية، وَفْقًا للهدف الذي توخاه القانون.

ويتحقق المبدأ بتقرير معاملة قانونية مختلفة للمراكز القانونية المختلفة، أو بسبب المصلحة العامة، إذا كان ذلك كله مُتفقًا مع الهدف الذى توخاه القانون.

وقد استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا في مصر على أن المساواة كضمان دستوري ليست مساواة حسابية، بل يملك المشرع بسلطته التقديرية، ولمقتضيات الصالح العام، وضع شروط موضوعية تتحدد بها المراكز القانونية التي يتساوى بها الأفراد أمام القانون (القضية رقم 50 لسنة 21 ق دستورية - جلسة 12 مايو 2002، الدكتور مصطفى أبو زيد فهمي - الدستور المصري فقهًا وقضاءً - دار المطبوعات الجامعية - طبعة 1996، الدكتور أحمد فتحي سرور - مبدأ المساواة في القضاء الدستوري - مجلة المحكمة الدستورية العليا - العدد الثاني - إبريل 2003).

ويرتكز مضمون المساواة على ثلاث ركائز:

- مساواة الجميع في المعاملة القانونية.

- دون أن تكون محض مساواة حسابية.

- مع إمكان التمييز في المعاملة وفقًا لأسبابٍ موضوعية منطقية.

ويلاحظ أن: المساواة في المعاملة القانونية التي تستند إلى الأسباب الموضوعية المنطقية التي تقوم عليها المراكز القانونية، تعني أنها لا تتفق مع التحكم، فالتمييز المنهي عنه هو المعاملة التحكمية (القضية رقم 31 لسنة 17 ق دستورية - جلسة 2 يناير 1999، 195 لسنة 20 ق دستورية - جلسة الأول مِن يناير 2000).

وقد اعتنقت المحكمة الدستورية العليا في مصر ذات المعيار، بأن صور التمييز -وإن تعذر حصرها- هي وحدها التي يكون قوامها كل تفرقة، أو تقييد، أو استبعاد ينال بصورة تحكمية مِن الحقوق أو الحريات التي كفلها الدستور أو القانون، وقالت: إن التمييز المخالف لمبدأ المساواة هو الذى يكون تحكميًّا، لا يستند إلى أسباب موضوعية تبرره (القضية رقم 193 لسنة 19 ق دستورية - جلسة 6 مايو 2000).

وذلك باعتبار أن كلَّ تنظيم تشريعي ليس مقصودًا لذاته، بل لتحقيق أغراض بعينها تعكس مشروعيتها إطارًا للمصلحة العامة التي يسعى المشرع إلى تحقيقها مِن ورائه، فإن صادم النص التشريعي بما انطوى عليه مِن التمييز هذه الأغراض كان تحكميًّا.

ويجب أن يعكس الهدف مِن القانون الذى يبرر التمييز في المعاملة حماية مصلحة مشروعة؛ وإلا كان التمييز منطويًا على إخلال بمبدأ المساواة، وتتحدد المراكز القانونية إما بالنظر إلى الدستور، أو بالنظر إلى القانون؛ فقد يحدد الدستور بعض المراكز القانونية المختلفة، وينص في ذات الوقت على معاملة مختلفة لها عن سائر المراكز القانونية.

مثال ذلك: في الدستور المصري رئيس الجمهورية (المادة 145) وعضو مجلس النواب (المادة 109) والوزير (166)؛ فقد ميَّز الدستور بينهم وبين المواطنين فيما يتعلَّق بحق الملكية، وحق التعاقد.

وما دام الدستور قد حَدَّد المراكز القانونية المختلفة، يكون قد وضع الشروط الموضوعية التي تتفق مع هذا الاختلاف، ويكون قد قرر لها المعاملة المختلفة لتحقيق مصلحة عامة تتفق مع الهدف الذى توخاه الدستور.

وقد يُحدد المشرع المراكز القانونية المختلفة التي يُقرر لها معاملة مختلفة، ومِن قبيل ذلك في مصر التمييز بين المستأجرين لغرض السكنى، وبين سواهم في صدد الإعفاءات مِن الضريبة العقارية.

أما عن معيار المصلحة العامة فقد قضت المحكمة الدستورية العليا بأن قصر التنظيم الخاص بدعوى الصلاحية على رجال السلطة القضائية دون غيرهم مِن المواطنين، قد اقتضته أغراض المصلحة العامة.

وللحديث بقية -إن شاء الله تعالى-.