• الرئيسية
  • المقالات
  • الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (107) دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (11)

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (107) دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (11)

  • 38

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقال الله -تعالى-: (‌وَإِذْ ‌قَالَ ‌إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ . فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ . فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ . وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ . وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (الأنعام: 74-83).

قوله -تعالى-: (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) فيه فوائد:

الفائدة الأولى:

الاستدلال على الربوبيةِ الحَقَّة بوجودِ الهدايةِ والإرشادِ من الربِّ، وبيانِه أحسنِ العقائد، وأحسن العبادات، وأحسن التشريعات، وأحسن الأخلاق، وأحسن أعمال القلوب، وأحسن نظام الدولة، وهذه تفاصيل السبيل الموصِّلة إلى سعادة الإنسان وفلاحه في الدنيا والآخرة، ومَن لم يُبَن منه شيء من ذلك؛ فلا يصح أن يعبد.

وهذه الطريقة مِن أعظم طُرُق الاستدلال صحة عند العقلاء، والنظر في الهداية التي يدعو إليها هذا المعبود من أعظم ما يؤثِّر في القلوب الصادقة، وانعدامها يدل على عدم استحقاق هذا المعبود للعبادة، كما قال -تعالى-: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ ‌يَرَوْا ‌أَنَّهُ ‌لَا ‌يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ) (الأعراف: 148).

وقال -سبحانه وتعالى- آمرًا نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- أن يخاطبَ كفار قريش: (‌قُلْ ‌هَلْ ‌مِنْ ‌شُرَكَائِكُمْ ‌مَنْ ‌يَهْدِي ‌إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (يونس: 35)، وقال -تعالى- عن بني إسرائيل: (قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ . فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ . أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا) (طه: 87-89).

وقد تكرر هذا المعنى في القرآن في مواضع عديدة في بيان ضلال مَن عبد مَن لا يهديه إلى سبيل الخير والحق والعدل، وبيان أن ما تضمَّنه الوحي من الهدايات هو أعظم الأدلة على صدقه، وصدق مَن جاء به مقدَّمًا ذلك على الاحتجاج عليهم بالمعجزات الحسية، بل مهما أتتهم المعجزات الحسية لا يقبلونها إذا لم يقبلوا هذا الإعجاز العقلي، كما قال -تعالى-: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ . لَقَالُوا ‌إِنَّمَا ‌سُكِّرَتْ ‌أَبْصَارُنَا ‌بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) (الحجر: 14-15)، وقال -تعالى-: (‌وَإِنْ ‌يَرَوْا ‌كِسْفًا ‌مِنَ ‌السَّمَاءِ ‌سَاقِطًا ‌يَقُولُوا ‌سَحَابٌ ‌مَرْكُومٌ) (الطور: 44).

فذلك بدأ الرسل بهذه الهداية كما دَلَّ على ذلك الحوار الذي جَرَى بين موسى وفرعون في غير موضع من القرآن: (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ ‌خَلْقَهُ ‌ثُمَّ ‌هَدَى) (طه: 50)، وقال -سبحانه- في سورة الشعراء: (‌قَالَ ‌فِرْعَوْنُ ‌وَمَا ‌رَبُّ ‌الْعَالَمِينَ . قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ . قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ . قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ . قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ . قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (الشعراء: 23-28).

فهذه الآيات تبيِّن بجلاء: أن الطريقةَ الصحيحةَ في الدعوة إلى الله، يجب أن تبدأ ببيان هداية الوحي الذي أنزله الله -سبحانه وتعالى-، ببيان أحسن العقائد، وأحسن العبادات، وأحسن الأخلاق، وأحسن التشريعات، ولله الحمد أن هذا الدِّين -دين الإسلام- لا يمكن مقارنته في شيء من ذلك بأي دينٍ على وجه الأرض.

الفائدة الثانية:

قد تَعَجَّب العقلاءُ من عظمة ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ونور الكلمات التي أتى بها، وكانت سببًا لهداية مَن شاء الله هدايته، وإقرار مَن أقرَّ بذلك وإن لم يؤمن إيثارًا بدنياه؛ فممَّن هداهم الله بالهداية التي جاء بها النبي -صلى الله عليه وسلم- ضماد -رضي الله تعالى عنه-؛ فقد روى مسلم في صحيحة عن عبد  الله بن عباس -رضي الله عنهما-: أن ضماد قدم مكه وكان من أَزْدِ شَنُوءَةَ، وكان يَرقي مِن هذه الرِّيحِ -(أي: الأرواح التي كانت قريش تزعم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تأتيه جن)-، فسمِع سُفهاءَ مِن أهلِ مكَّةَ يقولونَ: إنَّ مُحمَّدًا مجنونٌ! فقال: لو أنِّي رأَيْتُ هذا الرَّجُلَ لعَلَّ اللهَ يَشفيَه على يدي. قال: فلقِيَه، فقال: يا مُحمَّدُ إنِّي أَرقِي مِن هذه الرِّيحِ، وإنَّ اللهَ يَشفي على يدي مَن شاء؛ فهل لك أرقيك؟ فقال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: (إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه، مَن يَهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أمَّا بعدُ) فقال -أي ضماد-: أعِدْ علَيَّ كلماتِك هؤلاء، فأعادها عليه رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- ثلاثَ مرَّاتٍ، قال: فقال: لقد سمِعْتُ قولَ الكَهنةِ، وقولَ السَّحَرةِ، وقولَ الشُّعراءِ، فما سمِعْتُ مِثْلَ كلماتِك هؤلاءِ، ولقد بلغن ناعوس البحر -أي: وسطه- (أي: بلغن مبلغًا لا يبلغه أحدٌ!)، قال: هاتِ يدَك أُبايِعْك على الإسلامِ، فقال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-:  (وعَلَى قومِك؟) فقال: وعلى قومي. قال: فبايَعه، فبعَث رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- سَريَّةً فمَرُّوا بقومِه، فقال صاحبُ السَّريَّةِ للجيشِ: "هل أصَبْتُم مِن هؤلاءِ شيئًا؟ فقال رجُلٌ مِن القومِ: أصَبْتُ منهم مِطهَرَةً. فقال: ردُّوها فإنَّ هؤلاءِ قومُ ضِمادٍ".  

فهذا الصحابي الجليل إنما أسلم لما تأمَّل الأنوار والهدايات في مقدمة خطبة الحاجة، قبل أن يتكلَّم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بكلمةٍ واحدةٍ، غير هذه المقدمة العظيمة.

ومِن هؤلاء الذين هداهم الله -عز وجل- بهدايات القرآن: جُبَير بن مُطْعِم -رضي الله عنه-، كما روى البخاري ومسلم وغير واحد عن جبير بن مطعم -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في المغرب بالطور، فلما بَلَغ هذه الآية: (‌أَمْ ‌خُلِقُوا ‌مِنْ ‌غَيْرِ ‌شَيْءٍ ‌أَمْ ‌هُمُ ‌الْخَالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ . أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ) (الطور: 35-37)، قال: "كاد قلبي أن يطير!"، وقد كان جبير إذ ذاك كافرًا، أتى المدينة في فداء أسرى بدر في العام الثاني من الهجرة، وكان سماعه هذه الآيات من هذه السورة مِن جملة ما حَمَلَه على الدخول في الإسلام، وكاد قلبُه أن يطير ساعتها -أن يخرج من مكانه- لما تضمَّنته الآيات من دليل الحجة.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.