العفة فطرة (3) وسائل تحصيل العفة

  • 28

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أقام الشرع الحنيف وسائل لتحصيل العفة، وتجنب الفتنة التي هي من أعظم الفتن؛ فتنة النساء التي قال عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌مَا ‌تَرَكْتُ ‌بَعْدِي ‌فِتْنَةً ‌هِيَ ‌أَضَرُّ ‌عَلَى ‌الرِّجَالِ ‌مِنَ ‌النِّسَاءِ) (متفق عليه).

وهذه الوسائل بعضها وقائي، من بابِ الوقاية خيرٌ من العلاجِ، وبعضها عقابي، حتى يكون عبرةً لغيره، وهو من باب الزجرِ؛ فأولها: عظّم الله مراقبته في السر والعلن، والليل والنهار، فما من ذرةٍ من ذراتِ الكون إلا في قبضته -عز وجل-؛ الذي يعلم السرَ وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، قال الله -تعالى-: (يا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) (لقمان: 16).

فيحققُ المسلمُ والمسلمةُ هذه الرقابة من خلال أسمائه -عز وجل-: الرقيب، الشهيد، الحفيظ، السميع، البصير؛ فيعلم أن كلماته ونظراته وخطراته محفوظةٌ عليه، وأنه سيُحَاسبُ عليها، فيحمله ذلك على حِفظِ لسانه وبصره وفرجه.

وثانيها: أمر الله بغض البصر، فقال: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) (النور: 30)، وقال في شأن المؤمنات: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) (النور: 31)؛ لأن النظرةَ هي البريدُ الأول؛ فإن حفظها أمن من الوقوع والانزلاق في الفتنة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لجرير بن عبد الله -رضي الله عنه- لمَّا سأله عن نظرة الفجأة: (‌اصْرِفْ ‌بَصَرَكَ) (رواه مسلم).

وثالثها: حَرَّم الشرعُ الخُلوةَ بين الرجل والمرأة، وبيَّن أن الشيطانَ ثالثُ الاثنين في ذلك، فيزين الشيطانُ المرأة للرجل، والعكس، فيقع ما لا يحمد عقباه!

ورابعها: حثَ الشرع الأولياء على عدم الإفراط في إدخال الرجال على النساء، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ)، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: (الحَمْوُ المَوْتُ) (متفق عليه)، والحمو هم أقارب الزوجين، ووصفهما بالموت؛ لأن الغالب وقوع الفتنة من هؤلاء؛ فما بالنا بالتساهل إلى أبعد مِن هذا، فيقول البعض: هذا زميل البنت في المدرسة، وهذا طبيب الأسرة، وصديق العائلة، إلخ، ويضع البنزين بجوار النار، ويقول: لا تشتعل!

وخامسها: نهى الشرع عن مصافحة الرجل للمرأة، وكذلك العكس، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لأنْ يطعنَ في رأسِ أحدِكُمْ بمِخيطٍ منْ حديدٍ خيرٌ لهُ منْ أنْ يمسَّ امرأةً لا تحلُّ لهُ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).

ولأن كثرة المساس تفقد الإحساس -كما هو معلوم-.

وسادسها: حث الشرع على الزواج الشرعي، وهو الالتقاء الصحيح بين الرجل والمرأة، قال الله تعالى: (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (النور: 32).

وثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعًا: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإنَّه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعليه بالصَّوْمِ، فإنَّه له وِجَاءٌ)، أي: حفظ له.

فهذا هو الطريق السليم لنيل العفة، كما بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فإنَّه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ)، ومعلومٌ أنه لا توجد علاقة بين الرجل والمرأة إلا في هذه الحدود، فلا يعرف الشرع صديقًا ولا خليلًا، ولا صاحبًا، ولا زميلًا، ولا علاقات مشبوهة ما أنزل الله بها من سلطان، فليتقِ الله الزوج في زوجته، ولتتقي الله الزوجة في زوجها، قال الله -تعالى-: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) (النساء: ٣٤).

وسابعها: تأتي الوسيلة الزاجرة، وهي العقاب الذي وضعه الشرع لمَن تخطى هذه الوسائل كلها، واقترف ما حرَّم الله؛ فجاءت العقوبة للزاني المحصن بالرجم حتى الموت، وغير المحصن جلد مائة جلدة وتغريب عام، كما جاء في القرآن والسنة؛ ليكون ذلك زاجرًا لغيره ومانعًا.

فهذه الوسائل إن التزمها المسلم تمكَّن -بفضل الله- مِن تحصيل خُلُق العفة، ونال ما أعَدَّه الله لأهل العفاف.