القواعد العشر الحسان لاغتنام شهر رمضان (2)

  • 43

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

القاعدة الثالثة:

الاهتمام بأعظم العبادات في هذا الشهر:

(1) صيام النهار: قال -تعالى-: (‌وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة: 187)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ ‌صَامَ ‌رَمَضَانَ ‌إِيمَانًا ‌وَاحْتِسَابًا ‌غُفِرَ ‌لَهُ ‌مَا ‌تَقَدَّمَ ‌مِنْ ‌ذَنْبِهِ) (متفق عليه)، وفي الحديث القدسي: (يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِن أَجْلِي) (متفق عليه).

(2) قيام ليله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ ‌قَامَ ‌رَمَضَانَ ‌إِيمَانًا ‌وَاحْتِسَابًا ‌غُفِرَ ‌لَهُ ‌مَا ‌تَقَدَّمَ ‌مِنْ ‌ذَنْبِهِ) (متفق عليه).

(3) قراءة القرآن:

قال -تعالى-: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ ‌فِي ‌لَيْلَةِ ‌الْقَدْرِ) (القدر: 1)، وقال -سبحانه-: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي ‌لَيْلَةٍ ‌مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (الدخان: 3).

فقد نَزَل القرآن جملة واحدة في رمضان في ليلة القدر إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك مفرَّقًا طوال بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي البخاري من حديث ابن عباس: "كانَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجْوَدُ ما يَكونُ في رَمَضانَ حِينَ يَلْقاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ يَلْقاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ فيُدارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ".

وقال -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم: (اقْرَؤُوا القُرْآنَ فإنَّه يَأْتي يَومَ القِيامَةِ شَفِيعًا لأَصْحابِهِ).

ولا حرج ولا تثريب على مَن ختم القرآن في أقل من ثلاث؛ لأن النهي المستفاد من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

قال ابن رجب -رحمه الله-: "وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك؛ فأما في الأوقات المفضَّلة كشهر رمضان، خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة شرَّفها الله لمَن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتنامًا للزمان والمكان، وهذا قول أحمد وإسحاق، وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم".

لكن هذا مقيَّد بشرط، وهو: ألا يسرع في قراءة القرآن سرعة يسقط معها بعض الحروف؛ فهذا نوع من التحريف لا يجوز.

(4) الجود والإنفاق في رمضان: لحديث ابن عباس السابق، وفيه: "كانَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجْوَدُ ما يَكونُ في رَمَضانَ حِينَ يَلْقاهُ جِبْرِيلُ".

ومن الجود في رمضان: تفطير الصائمين، وخاصة المحتاجين؛ ليعينهم على أداء العبادة فينال المفطِّرُ أجرًا عظيمًا مضاعفًا لشرف العبادة، وشرف الزمان. 

(5) وكذلك الاعتكاف: فعن عائشة -رضي الله عنها-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله -تعالى-".

القاعدة الرابعة:

تقديم العناية والاهتمام بالفرائض على العناية بالنوافل؛ لما جاء في البخاري من حديث أبي هريرة: (إنَّ اللَّهَ قالَ: مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شَيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوْتَ، وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ).

والشاهد قوله -عز وجل-: (وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه).

ومن الصور التي يمكن أن يمثَّل بها:

(1) الصورة الأولى: عناية بعض الناس بالخشوع في التراويح، وإهمال ذلك في صلاة العشاء، مع أن العشاء فرض والتراويح سنة، فالاعتناء بالعشاء أولى؛ فهو أحب وأرضى لله.

(2) الصورة الثانية: الاهتمام بقيام الليل والنوم عن صلاة الفجر، أو عن الصلوات المفروضة الأخرى: كالظهر مثلًا، وهذا يكثر في العشر الأواخر!

وللحديث بقية -إن شاء الله-.