• الرئيسية
  • المقالات
  • الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (152) توريث الدين من أعظم مهمات الأنبياء والصالحين (4)

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (152) توريث الدين من أعظم مهمات الأنبياء والصالحين (4)

  • 38

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال الله -تعالى- عن يوسف -صلى الله عليه وسلم-: (‌وَاتَّبَعْتُ ‌مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) (يوسف: 38).

الفائدة الرابعة:

في قوله -تعالى-: (‌وَاتَّبَعْتُ ‌مِلَّةَ آبَائِي): اعتزاز بالآباء الكرماء الأشراف، الذين أنعم الله بهم عليه وعلى الناس، وهذا بلا فخر، بل مع نسبة الفضل إلى الله وشكره على نعمته، كما قال: (مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ).

فالتوحيد والنبوات أعظم نعمة وفضل ينعم الله به على الخلق؛ فالله -عز وجل- حين فَرَض علينا عبادته وحرَّم علينا الشرك به، أنعم علينا أعظم نعمة؛ حرَّرنا من العبادة للعبيد، وأعتقنا من التزام الرق لمن له شكل ونديد، وحين وفقنا للعمل بهذا الذي افترض علينا من توحيده وعدم الشرك به؛ فقد أتم علينا النعمة التي كان ابتداؤها منه بلا سببٍ منا، وعصمنا من السجود لغيره، وقد خذل أمثالنا في الأبدان والأسماع والأبصار والأفئدة؛ الذين ما أغنت عنهم أسماعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء؛ إذ كانوا يجحدون بآيات الله وكانوا بها يستهزئون.

فعبدوا الشياطين من دون الله، وسوَّلت لهم نفوسهم وعقولهم وشياطينهم عبادة الأشجار والأحجار المنحوتة -التي هم نحتوها-، أو الأشخاص من البشر والجن والملائكة، بل ما هو أدنى وأدنى من عبادة العجول والأبقار، والجعارين، والحيات، والفئران، والحشرات، والصلبان، وكل ما يخطر بالبال، وما لا يخطر! وهم في ذلك تامة عقولهم في معاشهم ودنياهم، وتدبير مصالح أولادهم وأموالهم؛ ربما صنعوا الصواريخ والقنابل الذرية وهم يركعون للبقرة، ولها يسجدون!

وربما جيَّشوا الجيوش، وجنَّدوا الجنود، وملكوا الأرضين، وصعدوا في الفضاء وهم يعبدون صليبًا يعتقدون موت الإله عليه، وبصق الناس عليه، ودق المسامير في يديه، وهو يصرخ بصوت عظيم: "إلهي إلهي لما تركتني!"، فلا يجد مَن يجيبه، كما ذكروا ذلك في أناجيلهم!

عجبًا والله لهذه العقول، وتبًّا لهذه الأفكار!

إذا تأمل الإنسان عقائد العالَم عَلِم فضل الله عليه بالتوحيد ونبذ الشرك، وكان أحرص شيء على شكر هذه النعمة بالثبات عليها والدعوة إليها، ومحاولة إخراج الناس من ظلمات الجاهلية، وبذل الجهد لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، (ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ)؛ فاللهم أتمم نعمك علينا بتثبيتنا على الإسلام حتى تتوفانا مسلمين.

وأكثر الناس لا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل ودعوتهم إلى التوحيد، بل (بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ . جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ . ‌وَجَعَلُوا ‌لِلَّهِ ‌أَنْدَادًا ‌لِيُضِلُّوا ‌عَنْ ‌سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) (إبراهيم: 28-30).

وفي قول يوسف -عليه الصلاة والسلام-: (مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) بيان أن المشرك لا يؤمن بالله حتى لو أقرَّ بوجوده -سبحانه-، ولو أقر ببعض صفاته -عز وجل-؛ ذلك أنه قال عن القوم الكافرين في أول كلامه: (‌إِنِّي ‌تَرَكْتُ ‌مِلَّةَ ‌قَوْمٍ ‌لَا ‌يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (يوسف: 37)، ثم قال: (مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ)، فالشرك ينافي أصل الإيمان؛ سواء كان الشرك في الربوبية بأن يعتقد مع الله أو من دون الله خالقًا أو رازقًا، أو مدبِّرًا، أو مالكًا، أو سيدًا آمرًا ناهيًا مشرعًا للناس.

ويا للأسف! قد صار يوجد في المسلمين مَن يعتقد أن الله جعل بعض صفات الربوبية في بعض أنبيائه وأوليائه، وأن ذلك هو من المعجزات والكرامات، وليس كذلك؛ فإن الله -سبحانه- لا شريك له في ربوبيته، وأما ما يحتج به أهل الضلال من أن عيسى -عليه السلام- يخلق الطير؛ فهذا ليس بصحيح، وإنما معنى قوله -تعالى-: (أَنِّي ‌أَخْلُقُ ‌لَكُمْ ‌مِنَ ‌الطِّينِ ‌كَهَيْئَةِ ‌الطَّيْرِ) (آل عمران: 49): أنه يشكِّلها كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربِّه -عز وجل- في وعيد المصورين: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ‌ذَهَبَ ‌يَخْلُقُ ‌كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً) (متفق عليه)، فعيسى -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يجعل الطين طيرًا، وإنما نفخ فيه بأمر الله، فجعلها الله -عز وجل- كذلك.

وكيف يستقيم ذلك مع قول الله -عز وجل-: (وَلَئِنْ ‌سَأَلْتَهُمْ ‌مَنْ ‌خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (الزخرف: 87)، وقوله -تعالى-: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ‌خَلَقَهُنَّ ‌الْعَزِيزُ ‌الْعَلِيمُ) (الزخرف: 9)؟!

أفتكون عقيدة المشركين في الربوبية أسلم من عقيدة هؤلاء المبتدعين؟!

والله، لقد كفروا بنعمة الله بالتوحيد حين اعتقدوا أن الله يجعل صفات الربوبية لأوليائهم، وكذلك اعتقادهم في الأولياء أنهم قادرون على قبض الأرواح وعلى ردِّها، وعلى شطب الأرزاق ومحوها؛ فإن ذلك من أنواع الشرك في الربوبية التي يكفر مَن قال بها بنعمة الله بالتوحيد.

وكذا مَن يقولون بوجود مَن يشرِّع مِن دون الله -سبحانه وتعالى-، ويضعون القوانين الوضعية، ويلتزمون بها معتقدين أنها أنسب للناس في هذه الأزمان من شريعة الله -سبحانه وتعالى-؛ فهذا من أقبح الشرك في الربوبية.

وكذلك الشرك في الألوهية بصرف العبادة مِن: ركوع، أو سجود، أو دعاء، أو استعاذة، أو استغاثة، أو ذبح أو نذر، أو حب عبادة وهو خوف مع ذلٍّ وانقياد، أو خوف عبادة وهو خوف سري يدعو إلى طاعة باطنة، ويتقرَّب بهذا الخوف إلى مَن يخاف، أو حَلِف، أو غير ذلك؛ فهذا أيضًا من الشرك الذي يكفر به مَن كفر بنعمة الله -سبحانه وتعالى-.

وكذلك الشرك في الأسماء والصفات: بأن يعتقد للمخلوقين صفة الخالق -عز وجل-: كالسمع المحيط، والعلم بالغيب، والقدرة التامة، والبصر المحيط، أو ينفي صفات الرب -سبحانه وتعالى-، ويشبهه بالجمادات أو المعدومات؛ فكل أنواع الشرك تنافي الإيمان بالله -عز وجل-.

وكذلك مَن وصف الرب بصفات النقص: كمَن زعم أن بعض عباده غلبه وصرعه -كما زعموا أن يعقوب عليه السلام سُمِّي إسرائيل من أجل ذلك؛ أي: لأنه الذي صرع الرب كما يعتقد اليهود-، وكذلك مَن ينسبون له التعب، ومَن ينسبون له الصاحبة والولد، ومن ينسبون له الجهل، وعدم القدرة؛ كل ذلك من الشرك في الأسماء والصفات، وكل ذلك ينافي الإيمان بالله؛ إذ إن كثيرًا مِن الناس يظن أن الإيمان هو اعتقاد وجود الله حتى لو عبد غيره وأشرك به! وهذا في الحقيقة قول غلاة الجهمية والمرجئة، وهو مِن أفسد الاعتقاد.