تجديد أم تخريب؟! (2)

  • 54

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فعندما زار سارتر مصر هو وعشيقته (سيمون دي بوفوار) قُوبلا بحفاوة بالغة، أشبه بمظاهرة في العهد الناصري، بجريدة (الأهرام). ومثال ذلك: حين كتب أحد الشيوعيين مقالًا بعنوان: "سارتر ضمير العصر!"؛ مما جعل (سارتر) نفسه يتساءل: "أنا ضمير العصر كله؟! أنا لست حتى ضمير نفسي!".

أما التبجح الفج الدال على الفجور المحض وعدم الحياء؛ فقد صدر عن المدعوة (سيمون دي بوفوار)، إذ قالت لنساء مصر بوقاحة تامة: "نحن نريد أن نحطم (قوامة) الرجل!"، ودعت إلى حياة زوجية محررة من (العقد الشرعي)، كحياتها الداعرة مع (سارتر)! (إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، لأنور الجندي).

ولا نجد ردًّا على تلك المرأة الخرقاء أفضلَ من حكم الدكتور (مراد هوفمان) المهتدي للإسلام، الذي يحمل خبرة عميقة بالمجتمع الغربي ومكانة المرأة فيه، مع دراسته العميقة للشريعة الإسلامية من مصادرها؛ قال: "نزلت الشريعة الإسلامية للعالم كله، بأجناسه المختلفة رجالًا ونساءً، فطبقًا للقرآن الكريم خُلق الرجال والنساء لنفس الغرض، اشتركوا في التكاليف التي تأهلوا لها، يتعرضون لنفس السنن الكونية، وسيحاسبون في الآخرة بنفس المقاييس... هل يمكن القول بأن مثل هذه الشريعة تعادي المرأة؟!" (الإسلام كبديل، لمراد هوفان، تعريب: عادل المعلم).

ويستطرد قائلًا: "وكنقطة بداية، يجب أن نعترف بواقع تمييز الرجل عن المرأة في العالم كله... أكدت (سيلفيا آن هيوليت) في كتابها: (الحياة الأدنى - خرافة تحرير المرأة في أمريكا) 1986: إن النساء في أمريكا ما زلن يكسبن 64% مما يكسبه الرجال، وحتى السويد بنسبة 81%) (الإسلام كبديل، لمراد هوفمان، تعريب عادل المعلم).

وفي موضع آخر يقرر: "المرأة المسلمة تمتعت بملكيتها الخاصة منذ 1400 سنة، بينما لم تحصل المرأة الأوروبية على ذلك -إن كانت قد حصلت عليه- إلا في منتصف القرن العشرين... ويعتبر الإسلام الأمومة وتربية الطفل أنبل وأكرم أدوار المرأة، وترفعها قدرتُها على حمل الحياة في بطنها لِمقام سامٍ.. أليس من الأهمية بمكان أن تأمر الشريعة بجلد مَن يقذف المحصنات الغافلات ثمانين جلدة؟".

وأما عن انحراف الحداثيين وانحدارهم إلى منزلق خطر، ونحن ندعوهم إلى قراءة نبذة عن موقف الشاعر الألماني جوتة من الإسلام، إذ كان أحد أسباب إكباره للقرآن الكريم تكمن في إحساسه بقيمته اللغوية المتميزة، فوصفه بأنه مثير للعجب والدهشة وأن أسلوب القرآن مُحكم سامٍ... وفي مواضع عديدة يبلغ قمة السمو حقًّا.. وإذا علمنا أن جوتة قرأ القرآن الكريم مترجمًا إلى اللاتينية والألمانية، فماذا كان سيقول عنه يا تُرى لو قُدّر له أن يقرأه بالعربية؟!

هذا بينما الحداثيون العرب ولغتهم عربية ويفهمونها حق الفهم يتعاملون مع النص القرآني نازعين عنه صفة القداسة، فوقعوا في جحود فاحش وانحراف مُهلك!

كذلك يتبين أن الدكتور نصر حامد أبو زيد أصابته عدوى الحداثيين الغربيين بتعامله مع النص القرآني، وقد نفى عنه صفة القداسة لخطوة من خطوات التحليل الموضوعي، وطبق عليه ما يطبق على تحليل قصيدة أو قصة أو مسرحية.

ومما سبق بيانه تفصيلًا، فإن موقفه هذا ليس من الموضوعية في شيء (خطاب القرآن الكريم عن اليهود - دراسة نصية، لعرفة عبد المقصود عامر)، بل هو تقليد حرفي للتيار الحداثي الغربي دون اعتبار لما تميز به القرآن الكريم من دلائل الإعجاز التي تبرهن أنه كلام الله.

قال الدكتور طه حسين: "إن أحد وجوه الإعجاز في القرآن هو نظمه، أي: أسلوبه في أداء المعاني التي أراد الله أن تؤدي إلى الناس. لم يؤد إليهم هذه المعاني شعرًا... ولم يؤدها إليهم نثرًا أيضًا، وإنما أداها على مذهب مقصور عليه وفي أسلوب خاص به لم يسبق إليه ولم يلحق فيه، ليس شعرًا لأنه لا يتقيد بأوزان الشعر وقوانينه... وليست نثرًا؛ لأنه لا يطلق إطلاق النثر ولا يقيد بهذه القيود التي عرفها الكُتاب في الإسلام، وإنما هو آيات متصلة لها مزاجها الخاص في الاتصال والانفصال، وفي الطول والقصر، وفيما يظهر من الائتلاف والاختلاف" (مرآة الإسلام لطه حسين).

إلى أن قال: "وقد ألفت كتب قديمة وحديثة في إعجاز القرآن، ولكنها على كثرتها لم تقل في إعجازه كل ما يمكن أن يُقال؛ لأنه أروع روعة وأبهر جمالًا من أن يستنفد فيه القول" (مرآة الإسلام لطه حسين).

وقال أيضًا في ختام عرضه لإعجاز القرآن: "ولو ذهبت أصف فنون الإعجاز في القرآن وملاءمة كل مذهب من مذاهب القول فيه لما فرغت من هذا الحديث!" (مرآة الإسلام لطه حسين).

ونعود لعرض خلاصة قول الدكتور عرفة عبد المقصود: "في ضوء تكامل التناص القرآني وتماسكه بين سورة البقرة وسورة النمل... تكتمل اللوحة التي توضح سر عداء اليهودية للإسلام؛ لأنه كشف وسائل إعلامهم وذكر عنهم كل صغيرة وكبيرة، فجاء النص مكملًا آيات البقرة، ومؤكدًا مفارقتين كلتيهما مرَّ على نفسية اليهود المحطمة التائهة: 

الأولى: (‌إِنَّ ‌هَذَا ‌الْقُرْآنَ ‌يَقُصُّ ‌عَلَى ‌بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (النمل:76).

والثانية: (‌وَإِنَّهُ ‌لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (النمل:77)، فهو كلام رب العالمين".