غزة رمز للعزة (9) طوفان الأقصى (4)

الأسبوع الثالث من طوفان الأقصى

  • 59

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد ظلت حكومة الحرب الإسرائيلية التي يترأسها (نتنياهو) على موقفها من التحضير القوي للاجتياح البري لقطاع غزة، رغم وجود خلاف بين الحكومة الإسرائيلية والجيش حول قرار الاجتياح البري، حيث حذَّر خبراء ومسؤولون من الخطر الذي سيتعرض له جنود الجيش الإسرائيلي، وقد يتسبب في حرب إقليمية، كما يهدد حياة الأسرى والمحتجزين الموجودين لدى حماس والمقاومة الفلسطينية.

وقد ذكرت مصادر: أن الحكومة الإسرائيلية وافقت على تأجيل الغزو البري لقطاع غزة حتى تنتهي الولايات المتحدة من تقوية المنظومة الدفاعية الصاروخية لإسرائيل.

وقد وجَّه الرئيس الأمريكي (بايدن) إلى الكونجرس الأمريكي طلبًا للموافقة على تقديم اعتمادات مالية إضافية قيمتها 106 مليارات دولار لأغراض حماية الأمن القومي الأمريكي، ومساعدة إسرائيل وأوكرانيا، وقد كشف صحفي أمريكي عن خطة إسرائيلية لإغراق أنفاق حماس بمياه البحر وهو ما يعرض حياة الرهائن الإسرائيليين فيها للخطر، وقد نفذ الجيش الإسرائيلي تلك الخطة فيما بعد في الأنفاق القريبة من ساحل غزة، ولكن إغراق الأنفاق القريبة من ساحل غزة بمياه البحر لم يحقق الغرض منه، مما لزم معه التوقف عنه.

وفي السابع والعشرين من أكتوبر: تم قطع الاتصالات عن قطاع غزة، وبدأت طلائع من الجيش الإسرائيلي عملية هجوم بري للمناطق في شمال قطاع غزة، وفي نفس اليوم حذرت الأمم المتحدة من أن العديد من الفلسطينيين معرضون للموت بسبب الحصار الإسرائيلي المحكم الذي تنهار معه الخدمات الأساسية في القطاع.

وفي يوم الجمعة 27 أكتوبر: أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يطالب بالوقف الفوري لإطلاق النار وإنفاذ هدنة إنسانية؛ تحفظ أرواح المدنيين، وتسمح بدخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بشكل فوري وبدون انقطاع، وهو ما لم تستجب له إسرائيل، بل سارت قدمًا وَفْق مراحل القتال التي وضعتها، كما واصلت شن الهجمات المكثفة، ووسعت نطاقها برًّا وجوًّا وبحرًا.

وقد زعم المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي: أن مقر القيادة الرئيسي لحركة حماس موجود تحت مجمع الشفاء الفلسطيني في غزة، والذي يعد أهم وأكبر مستشفى في قطاع غزة، والذي يعاني من قلة الإمداد بالوقود في الوقت الذي بلغت نسبة إشغال الأَسِرَّة قرابة 150% من طاقتها الاستيعابية؛ لكثرة ما فيها من المرضى والجرحى والمصابين.

وقد ثبت بعد ذلك كذب دعاوى الجيش الإسرائيلي بعد حصاره مجمع الشفاء واقتحامه؛ أما المستشفى الإندونيسي فقد اضطر إلى إيقاف جزء من خدماته الحيوية بسبب نقص الوقود، بينما لم يعد مستشفى الصداقة التركي -وهو المستشفى الوحيد لعلاج الأورام في قطاع غزة- يعمل بكامل طاقته؛ بسبب نقص الوقود، مما يعرض نحو 2000 مريض بالسرطان فيه للخطر.

وقد أكد المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بشرق البحر المتوسط: أن المنظمة لا تزال عاجزة عن توزيع الوقود والإمدادات الطبية الأساسية اللازمة لإنقاذ الأرواح على المستشفيات الكبرى في شمال غزة؛ بسبب عدم توافر الضمانات الأمنية اللازمة، داعيًا إلى وقف فوري لإطلاق النار لأسباب إنسانية حتى يمكن توصيل كل الإمدادات الطبية الضرورية والوقود بأمان إلى جميع أنحاء غزة، كما أكد على توقف 6 مستشفيات عن العمل في أنحاء مختلفة من قطاع غزة، والتي جاء إغلاقها نتيجة الهجمات الجوية ونقص الوقود.

وأشار إلى أنه تم بدعم من وكالة الأنروا تسليم 34 ألف لتر من الوقود إلى 4 مستشفيات رئيسية في جنوب غزة وإلى جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني لدعم خدمات الإسعاف التي تقوم بها، ولكن هذه الكمية من الوقود لا تكفي للقيام بالوظائف الحيوية في هذه المستشفيات، ولا إلى استمرار عمل سيارات الإسعاف إلا لمدة 24 ساعة أو أكثر قليلًا، بينما تمادى (نتنياهو) كعادته في الكذب فزعم أن حماس تستخدم المستشفيات في غزة مراكز قيادة، ليبرر لجيشه قصف واقتحام وهدم تلك المستشفيات، كما برر الجيش الإسرائيلي من قبل قصف العشرات من سيارات الإسعاف وهي تؤدي مهامها في مساعدة الجرحى والمصابين، وقام بقتل وإبعاد واعتقال العديد من الأطقم الطبية وأطقم الإسعاف لمنعها من القيام بدورها في إنقاذ الجرحى والمصابين.

تمادت إسرائيل في عدوانها الوحشي وقصفها المتواصل للأماكن السكنية والمستشفيات، بل ومدارس الأونروا؛ مما جعل منظمة العفو الدولية تعلن عن فقدها للاتصال بزملائها في المنظمة في غزة، وتحذر من أن المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة يتعرضون لخطر غير مسبوق خاصة بعد قطع إسرائيل للاتصالات في القطاع وتوسعها في الهجوم البري، وقد جدد الأمين العام للأمم المتحدة تنديده بالتصعيد غير المسبوق في القصف الإسرائيلي على قطاع غزة مجددًا دعوته إلى وقف إطلاق نار إنساني محذرًا من كارثة إنسانية.

وقد أعلنت لجنة حماية الصحفيين أن القصف الإسرائيلي لقطاع غزة حتى الأسبوع الثالث من الحرب أسفر عن قتل ما لا يقل عن 29 صحفيًّا وإعلاميًّا ممَّن يقومون تغطية أحداث الحرب، وذكرت المنظمات الحقوقية أن ما وثقته لجنة حماية الصحفيين خلال تلك الأسابيع الثلاثة يعد الأكثر دموية بالنسبة للصحفيين الذين يغطون الصراعات منذ أن بدأت لجنة حماية الصحفيين في عملها في عام 1992، ورغم ذلك فقد زادت إسرائيل من اعتداءاتها الموجهة للصحفيين وللإعلاميين لمنع تغطية ونشر الأحداث المؤلمة التي يعيشها قطاع غزة ونقلها لوكالات الأنباء العالمية لعرضها أمام الرأي العام العالمي، ويعد هذا الاستهداف المتعمد من إسرائيل مخالف للقوانين الدولية التي تكفل الحماية للصحفيين في مناطق الصراع.

ولا يزال جيش الاحتلال يواصل اعتقال وإبعاد الصحفيين والإعلاميين والمراسلين الحربيين خلال توغله البري في قطاع غزة، إلى جانب تدمير مقار بعض المؤسسات الإعلامية، والتي كان منها مقار قناة الجزيرة ومكتب وكالة الأنباء الفرنسية، إلى جانب استهداف منازل الصحفيين، واستهداف البنية التحتية لشبكة الاتصالات والنت وتعطيلها عدة مرات، بما يحد ويعطل من قدرات وسائل الإعلام والصحفيين على العمل وعلى نقل ما يروه من مجريات ومستجدات في قطاع غزة، وكشفت شهادات من أفرج عنهم من الصحفيين بعد الاعتقال مدى وحشية قوات الاحتلال الإسرائيلي في معاملة الصحفيين والإعلاميين، وكذلك في معاملتهم السيئة لعامة الأسرى من أساليب التعذيب السادية.

وقد صعَّد الجيش الإسرائيلي من غاراته مع نهاية الأسبوع الثالث من الحرب غير عابئ بالنداءات الدولية أو الإقليمية؛ حيث وصفت الغارات الإسرائيلية خلال الأسبوع بأنها الأعنف منذ بداية الحرب، مما خلف المئات من الشهداء والمصابين الجدد، ودمر أعدادًا كبيرة جدًّا من المباني السكنية والمنشآت بما فيها المدراس والمساجد إلى جانب قصف المستشفيات، وقد تقدم الجيش الإسرائيلي في محاور في شمال قطاع غزة وتوسع في عملياته البرية.

وأعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: أن الجيش الإسرائيلي تمكن من قتل مسؤول القوة الجوية في كتائب القسام، وذكر الهلال الأحمر الفلسطيني أنه تلقى تهديدات شديدة اللهجة من الجيش الإسرائيلي بالإخلاء الفوري لمستشفى القدس تمهيدًا لقصفه، وبالفعل شهد محيط المستشفى غارات متواصلة أدت إلى تدميره بالكامل.

وفي مواجهة التحركات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة أعلنت كتائب القسام أن مقاتليها يخوضون اشتباكات عنيفة مع القوات الإسرائيلية المتوغلة في شمال القطاع، وفي وقت لاحق أعلنت كتائب القسام أنها قامت بعملية إنزال خلف الخطوط الإسرائيلية غرب معبر (إيرينز) حيث أجهزت على عدد من الجنود الإسرائيليين، وهم داخل آلياتهم المستهدفة.

ومع نهاية الأسبوع الثالث من الحرب أعلنت وزارة الصحة في غزة عن وصول عدد الشهداء الفلسطينيين إلى 7703 شهداء، بينهم 3500 من الأطفال.

وقد أدان المرصد الأورو متوسطي لحقوق الإنسان بشدة استمرار تكثيف الجيش الإسرائيلي هجماته الجوية على قطاع غزة، حيث قام بقصف المدنيين بهدف قتلهم بالجملة، مما يرتقي إلى جرائم حرب مروعة بموجب القانون الدولي الإنساني، وقد ذكر المرصد أن الطائرات الحربية الإسرائيلية قد ألقت في هجومها الجوي غير المسبوق منذ السابع من أكتوبر ما معدله 22 صاروخًا تدميريًّا لكل كيلو متر مربع في قطاع غزة الذي لا تتجاوز مساحته الكلية 365 كيلومتر مربع ويكتظ بأكثر من مليون وربع المليون نسمة، وذكر المركز أن سلاح الطيران الإسرائيلي يتعمد استخدام قوة نارية غير مسبوقة في تاريخ الحروب، ويقصف بلا هوادة مناطق سكنية مكتظة، ويقصف تجمعات للمدنيين بشكل مباشر لإيقاع أكبر قدر من الضحايا في صفوفهم.

وقد ذكر محللون: أن كمية ما قصف به الاحتلال الصهيوني قطاع غزة من المتفجرات، والتي بلغت نحو 15 ألف طن من المتفجرات حتى الآن، تعادل قوة القنبلة النووية التي ألقيت على مدينة هيروشيما اليابانية، مع صغر مساحة قطاع غزة (365 كم مربع) وكبر مساحة مدينة هيروشيما (900 كم مربع)، وقد ألقيت هذه المتفجرات بمتوسط 33 طنًّا على كل كيلو متر مربع في قطاع غزة منذ بداية العدوان، وارتكبت 644 مجزرة، وألحقت أضرارًا بالغة بنحو 50 % من مساحة غزة، ودمرت 177 مدرسة ودمرت 35 مسجدًا، مع استخدام أسلحة وذخائر محرمة دوليًّا.

وقد نتج عن ذلك أن زاد عدد النازحين عن مليون مواطن بنسبة تبلغ 60 % من سكان القطاع، وأن هؤلاء النازحين يتوزعون في 222 مركز إيواء، منها 100 بمركز غزة وشمال القطاع.

وقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة في يوم الثلاثاء 24 أكتوبر إلى وقف إطلاق للنار إنساني فورًا في غزة، وأشار إلى أن الشعب الفلسطيني تحت احتلال خانق منذ 56 عامًا، مضيفًا أنه من المهم إدراك أن رد حماس في السابع من أكتوبر لم يحدث من فراغ، وأن ما حدث في السابع من أكتوبر لا يبرر هذا القتل الجمعي الذي تشهده غزة، وشدد على أنه لا يوجد طرف في نزاع مسلح فوق القانون الدولي الإنساني.

وذكر أن سكان غزة بحاجة إلى تقديم المساعدات بشكل مستمر بما يتوافق مع الاحتياجات الهائلة، وأنه يجب إدخال المساعدات الإنسانية لسكان قطاع غزة دون أي قيود، كما أشار إلى أن ما لا يقل عن 35 من موظفي الأمم المتحدة لقوا مصرعهم جراء القصف المتواصل الذي يتعرض له قطاع غزة، وفي المقابل وتماديًا في الغي والباطل؛ هاجم المندوب الدائم للكيان الصهيوني لدى الأمم المتحدة عبر موقع للتواصل الاجتماعي تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة، ودعاه إلى الاستقالة الفورية من منصبه، واصفًا إياه بأنه غير لائق لقيادة منظمة الأمم المتحدة على حدِّ زعمه.

أسيرة إسرائيلية ترد على الأكاذيب الإسرائيلية:

حاول العدو الإسرائيلي مرارًا عبر وسائله الإعلامية إلصاق التهم والأكاذيب الباطلة بفصائل المقاومة الفلسطينية، ومنها: سوء معاملة المقاومة للأسرى خاصة النساء الأسيرات، وقد قامت حماس في يوم الإثنين 23 أكتوبر بالإفراج عن أسيرتين إسرائيليتين لدواع إنسانية ومرضية قاهرة بعد وساطة مصرية قطرية، بعد رفض إسرائيل سابقًا استلامهما من دون مقابل.

وقد ذكرت وسائل الإعلام الدولي والصحف واسعة الانتشار ونشطاء في مواقع الاتصال الاجتماعي تصريحات أدلت بها أسيرة منهم في مؤتمر صحفي، تشيد بإنسانية رجال حماس في معاملة الأسرى والمعاملة الجيدة التي تلقتها في غزة من توفير حماس للمأكل والماء والمأوى للأسرى رغم قلة الطعام والماء والدواء في غزة نتيجة الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة، فيما وصفته وسائل الإعلام بأنه أشبه بضربة للدعاية الإسرائيلية، بينما ذهب البعض من الإسرائيليين إلى مهاجمة تصريحات تلك الأسيرة، وقد أعلنت المقاومة الفلسطينية أنها تمتلك مجموعة من المحتجزين من جنسيات متعددة غير إسرائيلية تم جلبهم في أثناء المعركة ولم تكن هنا فرصة للتحقق من هوياتهم، موجهة تحذيرًا لأولئك الذين يحملون جنسيات دول أخرى غير إسرائيلية من المشاركة في القتال في جانب جيش الاحتلال، معلنة أن المقاومة ستقوم بإطلاق سراح الأسرى الأجانب لديها متى توافرت الظروف اللازمة لذلك.

المقاومة الفلسطينية تواصل قتالها:

في هذا الخضم من الاعتداءات الإسرائيلية الغاشمة التي لا مثيل لها والتي أيقن معها العدو الصهيوني وكثيرون أن المقاومة الفلسطينية قد انتهت، أو على الأقل قد ضعفت، خيبت المقاومة الفلسطينية ظنهم من خلال رشقات صواريخها وتصديها الباسل والمستمر لقوات الاحتلال مما كبد جيش الاحتلال تدميرًا كليًّا أو جزئيًّا للدبابات والمركبات وناقلات الجنود؛ مما أسفر عن مقتل وجرح الكثير من جنود العدو.

وفي يوم الثلاثاء 24 أكتوبر فاجأت المقاومة الفلسطينية العدو بتنفيذ عملية إنزال لضفادع بشرية تسللت فيها إلى شواطئ (زيكيم) البحرية جنوب عسقلان المحتلة، وخاضت اشتباكات مع قوات الاحتلال فيها وأوقعت بها خسائر عديدة.

الأوضاع داخل إسرائيل:

في الوقت الذي قام فيه الكيان الصهيوني بمحاولة الرد بوحشية على هجوم طوفان الأقصى بحثًا عن ترميم هيبته التي أصابها شرخ عظيم وفي مواجهة صمود غزة فقد اشتعلت الخلافات داخل إسرائيل، والتي بدت في ظاهرها أن حالة الحرب للانتقام قد وحدت جبهتها الداخلية، فالجيش لا يثق في الحكومة؛ خاصة مع خشية الخسائر الفادحة المتوقعة حال الاجتياح البري، وبالتالي تحمل مسؤولية اتخاذ هذا القرار، والذي سيمثل تحديًا كبيرًا أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية؛ نظرًا للخسائر المتوقعة. وداخل الحكومة والكنيست كانت الأحزاب متناحرة، وفي الشوارع آلاف المتظاهرين يهتفون ضد الحكومة والجيش، وآخرون من أقارب عدة مئات الأسرى لدى حماس يتظاهرون للمطالبة بإطلاق سراح أقاربهم المحتجزين، ومنهم من اعتصم أمام الوزارة أو أمام وزارة الدفاع.

وقد بلغ الأمر توجيه البعض الاتهام لرئيس الوزراء نتنياهو بحرق بعض الوثائق والأدلة الدالة على الفشل الاستخباراتي لإنقاذ حكومته من محاكمة باتت أكيدة، ولكنها مؤجلة لما بعد انتهاء الحرب، وهو ما حدا بالبعض بالمطالبة بمنع عمليات التملص من أدلة المسؤولية بالعمل على حماية كل المعلومات وتأمين كل الوثائق التي تتعلق بما قبل هجوم حماس أو بعده؛ خاصة في ظل اعتراف رؤساء الأجهزة الأمنية بفشلهم في توقع الهجوم والتحذير منه، وذكرت بعض الصحف الإسرائيلية نقيض ذلك بأن نتنياهو هو الذي يقوم بحملة لجمع الأدلة ضد الجيش والمخابرات يسعى بها لإبعاد أي لوم عليه بشأن هجوم حماس المفاجئ في السابع من أكتوبر.

ومن الجانب الاقتصادي: فقد بلغت تكلفة اليوم الواحد من العدوان على قطاع غزة قرابة 250 مليون دولار، مما لا تقدر موازنة العام المالي في إسرائيل على تحمله؛ مما استلزم تدفق المساعدات العسكرية والمالية اللا محدودة من الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا لإنقاذ دولة الاحتلال من الانهيار التام، وهو ما دفع البعض من التحذير من احتمال نشوب حرب طويلة الأمد قد تؤدي إلى فوضى اقتصادية في إسرائيل، إلى جانب الخسائر في الأرواح؛ هذا في الوقت الذي فقد فيه نحو 360 ألفًا من جنود الاحتياط وظائفهم المدنية من خلال التعبئة العسكرية التي تمت للمشاركة في الحرب، والتي بدورها أثرت -وستؤثر- على قوة الإنتاج والاقتصاد في إسرائيل طوال فترة هذه الحرب.

تمادي إسرائيل في استخدام الأسلحة المحرمة دوليًّا:

اعتادت إسرائيل في حروبها الأخيرة ضد قطاع غزة -وأيضًا في جنوب لبنان من قبل- على استخدام الأسلحة المحرمة دوليًّا؛ خاصة في مواجهة المدنيين والأهداف المدنية، وهي الجريمة المتكررة التي لا تجد دائمًا مَن يحاسبها عليها، ويردعها عن هذه النوعية من الجرائم الإنسانية الشنيعة!

وفي العدوان الحالي على قطاع غزة تمادت إسرائيل في استعمال العديد من الأسلحة المحرمة دوليًّا ضد المدنيين الفلسطينيين بصورة لم تحدث من قبل بهذا الكم وهذه النوعية، وهو ما أشارت إليه العديد من وسائل الإعلام العالمية.

ومن ضمن تلك الأسلحة المحرمة دوليًّا التي تستخدمها إسرائيل بلا مواربة:

- قنابل الفسفور الأبيض: وهي قنابل تساعد القوات الإسرائيلية على إخفاء تحركاتها على الأرض لما تنتجه من كميات كبيرة من الدخان، ويكثر استعمالها ليلًا، ولها آثار حارقة تمتد إلى مساحات واسعة، وهي تحرق كل ما تسقط عليه، وقد ذكر تقرير لمنظمة (هيومان رايتس ووتش) أن قوات الاحتلال استخدمتها في عملياتها العسكرية في يومي: 10 و11 أكتوبر، حيث ظهر ذلك جليًّا في عددٍ من المقاطع التي التقطت من فوق ميناء غزة.

- القنابل الفراغية: وهي من أشد أسلحة التدمير على البنية التحتية والسكان، ويقارب الأثر التدميري الناتج عنها تأثير القنابل النووية ذات العيار الصغير، واستخدمتها قوات الاحتلال في غزة لتدمير البنية التحتية من أنفاق لدى حماس بقطاع غزة.

- قنابل جدام الذكية: وهي قنابل أمريكية متطورة تصنف ضمن القنابل الهجومية ذات قوة التدمير العالي، يصل مداها إلى 28 كيلو متر، ويتم التحكم فيها وتوجيهها عبر الأقمار الصناعية.

- القنابل العنقودية: وهي من الأسلحة التقليدية المحرمة دوليًّا، وتحتوي الواحدة منها على عشرات القنابل المصغرة؛ لذا تتسبب في إيقاع الكثير من الضحايا.

- قنابل اليورانيوم المنضب: وتحتوي على عنصر اليورانيوم المنضب، وهي ذات تأثير حارق على كل ما تسقط عليه، وتشبه في تأثيرها الحارق تأثير قنابل الفسفور الأبيض.

- قنابل هالبر: وهي من أحدث ما في الترسانة العسكرية للولايات المتحدة، سلحت بها جيش الاحتلال الإسرائيلي مؤخرًا، وتمتلك إسرائيل منها 750 قنبلة، بجانب 3000 صاروخ هالبر بنفس التأثير تسلح بها المروحيات الهجومية الإسرائيلية، وتم رصد استخدام تلك القنابل خلال قصف إسرائيل لعدد كبير من المباني داخل قطاع غزة، وهي قنابل حارقة وخارقة للحصون.

- القنابل الذكية: وهي قنابل كانت الولايات المتحدة ترفض في الماضي أن تمد إسرائيل بها، وأمدت بها واشنطن الجيش الإسرائيلي مؤخرًا فاستخدمها في عدوانه على غزة، وهذه النوعية من القنابل لها رأسان: الأول تدميري، والآخر يقوم بخرق التحصينات والخرسانات، ويمكنه اختراق ثلاث طبقات إسمنتية قبل الانفجار، ويحدث استخدامها في الأماكن المدنية تدميرًا جسيمًا ويسبب خسائر بشرية كبيرة، وتستخدمها إسرائيل في قطاع غزة المأهول بالسكان رغم خطورتها البالغة رغبة في تدمير أنفاق حماس في غزة.

- القنابل الارتدادية أو الزلزالية: وهي قنابل يمتد تأثيرها إلى القشرة الخارجية للأرض، حيث تصدر موجات ارتدادية ضخمة تشبه الزلزال، تسبب اهتزازًا قويًّا في المباني أو الأنفاق المستهدفة، وهي تؤثر بقوة على أساسات تلك المباني مما يؤدي إلى انهيارها في ثوان، وهذه القنابل يمكن إطلاقها من الطائرات أو الدبابات أو المدافع.

- القنابل الإسفنجية: وهي تستخدم لسد الفجوات والمداخل في الأنفاق، وهي تتكون من حاوية بلاستيكية تحتوي على مواد كيميائية سائلة منفصلة، وعند إزالة القضيب المعدني الفاصل بين تلك السوائل داخل الجهاز وإلقائه في مدخل النفق تحدث انفجارًا مفاجئًا ينتج عنه تكوين رغوة سريعة التمدد وسريعة التصلب، مما يؤدي إلى إغلاق مدخل النفق كلية.

- غاز الأعصاب: لمح جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى أنه سيتم استخدام غاز الأعصاب خلال الهجوم البري على قطاع غزة، وطبقًا لاتفاقيات لاهاي وجينيف فإنه يحظر استخدام غازات الأعصاب. وتتضمن غازات الأعصاب: غاز السارين، وغاز التابون، وغاز سومان، وغاز الأعصاب، وتعمل هذه الغازات بنفس الطريقة حيث تسبب خللًا في الجهاز العصبي، وغالبًا ما يتعرض من يستنشقه للوفاة نتيجة صعوبة التنفس.

لجنة مصرية لتقصي الحقائق:

نظرًا لاكتشاف إصابات مدمرة بأجسام المصابين الفلسطينيين القادمين من غزة للعلاج في مصر تشير إلى أن هذه الإصابات ناتجة من استخدام أسلحة محرمة دوليًّا؛ فقد قرر المسؤولون في وزارة الصحة المصرية تشكيل لجنة من الأطباء الشرعيين لفحص هؤلاء المصابين، وبيان طبيعة السلاح الذي تسبب في إحداثها، ويتشكك بعض المسؤولين بوزارة الصحة المصرية في استخدام إسرائيل لأسلحة بيولوجية محرمة دوليًّا في عدوانها على غزة.

بينما ذكرت وزارة الصحة في غزة: أن هناك جرحى يعالجون من إصابات متعددة تشمل الكسور والحروق والشظايا، ومنهم مصابون أحدثت الانفجارات داخل أجسادهم حروقًا أدت إلى إذابة الجلد، وشظايا تسببت في انتفاخ للجسم وتسممه، وهي ما لم تشهدها أجساد الجرحى والمصابين من قبل، مما يصعب معها علاج هؤلاء المصابين.

ومعلوم دوليًّا: أن استخدام الأسلحة الحارقة والفسفورية ضد المدنيين يعد جريمة حرب بموجب اتفاقية جينيف الرابعة وبروتوكولاتها الإضافية، وهي تحظر الهجمات العشوائية على المدنيين، وتحظر استخدام الأسلحة التي تسبب آلامًا لا مبرر لها، وتنص على ضرورة أخذ الاحتياطات الواجبة لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، بينما تشدد اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الأسلحة التقليدية لعام 1980 على حظر استخدام الأسلحة المحرقة ضد المدنيين، كما تحد من استخدامها ضد الأهداف العسكرية إذا كانت بالقرب من المدنيين.

أما الأسلحة العنقودية: فقد حظرتها اتفاقية أوسلو لعام 2008 بشأن الذخائر العنقودية، وهي الاتفاقية التي لم تنضم إليها إسرائيل، لكن استخدامها يعد مخالفة سافرة لمبادئ القانون الإنساني؛ خاصة مع تجاهل اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين في الهجمات العسكرية (راجع في ذلك: مقالة: قائمة الأسلحة المحرمة دوليًّا التي تستخدمها إسرائيل في إبادة الفلسطينيين - جريدة النبأ الوطني - عدد السبت 2 ديسمبر 2023، ص 3).