الصوفية الخرافية وخلخلة الأمن القومي

  • 61

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فتحرص الصوفية الخرافية أو الصوفية القبورية أن تقدم نفسها على أنها لا تمثل أي خطورة على المجتمع وأنها تمثل السماحة الدينية، وأنها رمز للتعايش بين الجميع؛ طبعًا باستثناء العداء الواضح والصريح لأهل السنة في كل وقت وحين، ورمي أهل السنة أنهم أهل التطرف والغلو، وأنهم يمثلون خطرًا على المجتمع، وأن أهل السنة أصحاب فهم خاطئ للإسلام! 

وعندما يريد أن يتقعر أحدهم في السباب يصف أهل السنة بأنهم: نابتة، أو حشوية، أو وهابية، أو أي صفة تخوف عموم المسلمين من أهل السنة.

فهل فعلًا الصوفية الخرافية لا تمثل خطرًا على المجتمعات؟ 

وهل المنهج الصوفي الخرافي وما يترتب عليه من سلوكيات يصب في صالح استقرار المجتمعات؟

تصاعد أخيرًا برنامج لأحد رموز الصوفية الخرافية، وهو برنامج مسبق التسجيل، مسبق الإعداد، يدور فيه حوار بين ذلك الرمز وبين العديد من الفتية والفتيات؛ أثار البرنامج الكثير من الجدل؛ لأنه يصدم المجتمع بالعديد من الآراء التي تناقض الفطرة السليمة، وتناقض القواعد التي استقر عليها المجتمع، والتي هي في الحقيقة منبعها قواعد الشرع الشريف التي انتقلت من جيل إلى جيل.

خرج علينا ذلك الرمز الصوفي ليقول: إن الله قد يلغي النار، وله تصريح سابق ذكر فيه أن العذاب إنما اشتق من العذوبة! وحقيقة الأمر: أنه يريد أن يمارس مزيدًا من التحسين على صورة الصوفية القبورية بأنها تمثل المحبة وتنشر المحبة، وأن الإسلام دين المحبة؛ حتى إن الله سوف يلغي النار في يوم من الأيام!

وهو بذلك كالدب الذي قتل صاحبه؛ حين أراد أن يدافع عنه ويدفع عنه الخطر، وحاصل هذا الرأي وخطورته: أنه حين يُنشر بين شرائح المجتمع، فإنما هو رسالة تقول للجميع: إنه لا عقاب ولا عذاب، وأن الجنة تنتظر الجميع! فهو يقول للسرقة واللصوص: دعكم من الخوف من عذاب الله فإنه من العذوبة! ويقول للفاسدين في المؤسسات: إن فسادكم سوف يمر دون ردع، ما عليكم هو أن تنشغلوا كيف تفلتون من العقاب في الدنيا؛ أما الآخرة فإن الله رحمن رحيم، بل هو يقول للطغاة والمجرمين وقتلة الأطفال والنساء في غزة من الصهاينة -عليهم لعنة الله-: لا عليكم؛ فإنما تنتظركم جنة الخلد. 

إن مبدأ الخوف من الآخرة والخوف من عقاب الله، هو من الأصول العظيمة التي أصلها الإسلام، والتي تساهم في استقرار المجتمع المسلم منذ عشرات القرون، فمراقبة الله وتقواه، وجعل المسلم بينه وبين عذاب الله وقاية، ركيزة من ركائز الاستقرار في المجتمع، فعندما يغيب الرقيب ويضعف منفذ القانون؛ فإن المسلم تبقى في قلبه مراقبة الله، والخوف من مآله في الآخرة، ولا أدري لمصلحة من محاولة قتل هذا الخوف في قلوب الناس، وتطمينهم أن الله سوف يلغي النار؛ فلماذا تخافون من الآخرة؟!

وهي دعوة صريحة للناس أن يكون شغلهم الشاغل الدنيا، وتحصيل شهواتها من حلال أو حرام طالما أن مآل الجميع واحد؛ فهل هناك أخطر من أن تزيل الحاجز بين الناس وبين التجرؤ على كل الموبقات تحت دعوى أن الله سوف يلغي النار، ويلغي ما يخوف الله به عباده؟! 

هل هناك أخطر من ذلك على المجتمع، بل ما الفرق بين ما يصنعه الملحد الذي يقول: إنه لا إله ليفتح أمام نفسه وأتباعه باب الشهوات على مصراعيه فلا يوجد أصلًا إله ليحاسب ويعاقب، وبين الصوفي الخرافي الذي يؤمِّن الناس من عقاب الإله، وأن الله سوف يلغي النار؟!

ثم يخرج علينا بأمر آخر لا يقل خطورة عن سابقه: بأن الجميع سوف يدخل الجنة؛ من كل الأديان حتى الصابئة! 

ويقول في لمحة محبة زائفة: "ومَن قال: إن الجنة للمسلمين فقط؟!"، ها قد فتحنا الأوكازيون فليدخل الجميع الجنة! 

وهذا من العبث بعقائد الناس والاستهانة بها، فلو أن الجميع من أهل الجنة؛ فلماذا أرسل الله الرسل؟ ولماذا أنزل الكتب؟ ولماذا كانت الدعوة؟ ولماذا هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- للمدينة؟ ولماذا قاتل كفار قريش؟ ولماذا خرج الصحابة يجوبون العالم شرقًا وغربًا للدعوة إلى دين الإسلام وإزالة سلطان الكفر والعناد؟!

وكأننا لم نتعلم من عشرات السنين من خطاب خاطئ دفعنا ثمنه فتنًا ومفاسد داخل المجتمع! 

ألم نتعلم بعد أن لا مجال للمداهنة فيما يتعلق بالعقائد؟! 

ألم نتعلم بعد أن هناك اختلافًا جذريًّا بين العقائد، وأن محاولات التلفيق لا تأتي إلا بنتائج عكسية؟! 

ردد غيره العشرات أنه لا يوجد كفار، ولا يصح أن نطلق كلمة الكفر على المخالف لنا في العقيدة، ألم يطلق الله -سبحانه وتعالى- ذلك في كتابه؟! 

أليس من الصواب أن نعلِّم النشء أن هناك خلافًا في العقيدة ثم نعلمه المعاملة السليمة، وأن التسامح هو في باب المعاملات وليس في باب العقائد، بتلك البساطة التي تعامل بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع اليهود في المدينة؟! 

أليس هذا أفضل أن نعلم النشء أن الله -تعالى- قال: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ‌ثَالِثُ ‌ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ) (المائدة: 73)، ثم نعلمه: (‌لَا ‌يَنْهَاكُمُ ‌اللَّهُ ‌عَنِ ‌الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: 8)؟! 

أليس بتلك الآيات عاش المجتمع على مدار مئات السنين في تماسك وتراحم؟!

إن تعليم النشء أن لا يوجد خلاف في العقيدة، وأن الجميع سوف يدخلون الجنة خطر كبير؛ لأن ذلك النشء سيقرأ القرآن وسيجد فيه خلاف ما يحاول ذلك الرمز تلبيسه عليه، والنشء بين يديه هاتفه الذي يتواصل به مع العَالَم من خلاله، وسيجد من  يخاطبه عبر هاتفه، وعلى مواقع السوشيال ميديا، ويقول له: إن كل هؤلاء قد خدعوك، وسوف يأتي له بالآيات والأحاديث التي تثبت تلك المخالفات، ولكن ذلك الصوت الذي يأتيه من خلال الهاتف لن يتوقف عند ذلك الحد، بل سيضيف عليها من الشبهات ما يحوِّل ذلك الشاب إلى حرب على مجتمعه بعد أن يقنعه أن ذلك المجتمع يحارب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأن المجتمع هو مجتمع جاهلي؛ لأنه لا يطبق القرآن، ثم يتحول ذلك الشاب ويصب جام غضبه على المجتمع بعد أن ينعزل شعوريًّا عنه، وذلك كله بسبب تلك الرموز الصوفية التي تريد أن تظهر سماحة الإسلام أو سماحة أنفسها بتحريف الدين وتمييع العقيدة؛ لإخفاء خلاف عقدي لن يحل حتى آخر الزمان.

أليس أولى بنا أن نعلِّم أبناءنا صحيح الدين كما جاء في كتاب الله العليم الخبير، وفي صحيح السنة ثم نعلمهم كيف يتعايش المجتمع مع هذا الاختلاف العقدي؟! وكيف نكون مجتمعًا صلبًا متماسكًا تتضح فيه الحقوق والواجبات، ونعلم كل أبناءنا كيف يحافظون على مجتمعهم، وكيف نكون مجتمعًا متعاونًا، وكيف يعملون على رفعة بلادهم صفًّا واحدًا في مواجهة الخصوم؟! 

أليس من الأولى أن نعلم أبناءنا أن هناك خلافًا في العقيدة، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حذَّر مِن ظلم مَن يعيش معنا ممَّن نختلف معه في العقيدة، وأن الله قد حرم دماءهم وأعراضهم وأموالهم، وأن هذا الخلاف العقدي لم يمنع مجتمعنا أن يظل متماسكًا لمئات السنين؟!

وفي رد ذلك الرمز الصوفي أيضًا على سؤال إحدى الشابات: هل يجوز أن تخرج في رحلات مختلطة بين الشباب والشابات للعب والمرح؟ فيسألها بعمق: وهل في نيتكم شيء فاسد؟ 

فتجيب: لا. فيقول: ومَن حرم هذا؟! 

صراحة يعجز الإنسان أن يفهم مغزى هذه الإجابة! 

وما دخل النية في العمل إذا كان العمل فاسدًا؟ هل تُصلِح النية العمل الفاسد؟ وهل خروج شباب وفتيات للمرح واللعب أجازه الشرع؟ 

وهل للسؤال عن النية له محل في هذا الموضوع؟ 

وكيف يعرف ولي الأمر حسن النية من هؤلاء الشباب من فاسدها؟! 

فعندما تريد ابنة أحدهم أن تذهب في رحلة للعب واللهو مع الشباب؛ هل يحضر ولي الأمر الشباب ويسألهم عن نيتهم؟ وهل يكتفي بأن يقولوا له: إن نيتنا سليمة؟! وهل يمكن أن يصرح له الشباب أن نيتهم فاسدة، وأنهم إنما يريدون أن يخرجوا مع ابنته ليعبثوا معها؟!

وهل الموظف الفاسد إذا أراد أن يبني مسجدًا -وهي نية حسنة-؛ هل هي رسالة له أن يرتشي، وأن يسرق من المال العام طالما أن نيته نية حسنة؟! 

هل يدرك ذلك الرمز أنه يعبث بالأمن القومي للبلاد حينما يمهد الطريق أمام أهل المعاصي والفساد أن يفعلوا ما يشاءون طالما أن النية سليمة؟! 

وهل عندما يلقي رجال الرقابة الإدارية القبض على الفسدة والمرتشين سوف يدافعون عن أنفسهم أنهم كانوا أصحاب نيات حسنة؟ 

ثم يسأله شاب آخر حول أنه يريد أن يقول لزميلته: إنه يحبها، وأنها وحشاه! فيسأله ذلك الرمز: وهل أبوها يعرف؟ فيقول الشاب له: نعم. فيقول ذلك الرمز: طالما أبوها عارف ماشي! 

ولا أدري كيف سيكون الحوار بين الشاب وبين والد الفتاة! 

هل سيدخل الشاب بيت الفتاة حين يريد الزواج ومن قبله حين يريد الخطبة؟ 

فماذا نسمي الأمر عندما يذهب الشاب ليعلم الأب أنه سوف يقول لابنته إنه يحبها وإنها توحشه، وماذا سيكون رد فعل الأب؟ هل سيقول له: على الرحب والسعة، تفضل بالهنا والشفا! إن الخطبة نفسها مجرد حجز للزواج لا تعطي للخاطب أي حق، بل يظل الرجل غريبًا عن المرأة حتى يعقد عليها. 

وماذا لو سرى لا قدر الله فكر الرجل في الأمة وصارت أحاديث الحب والهيام بين الطلبة والطالبات بتحليل الشيخ، وبموافقة الأب؟! ما الذي نتوقعه على مجتمعنا؟! أليس لنا عبرة بمجتمعات الغرب الذين ساروا في نفس الطريق من قبل حتى عزف شبابهم عن الزواج وصاروا يوصفون بأنهم مجتمعات تعاني من الشيخوخة ومن نمو سكاني بالسالب، وأنهم يستوردون كل عام الأيدي العاملة حتى لا تتوقف مصانعهم ومزارعهم عن العمل؟!

كانت الصوفية الخرافية بفكرها العقيم تدور حول القبور تطلب منها المدد، ويمجد الرمز الحي الرمز الميت أمام أتباعه حتى إذا مات هو مجده الأحياء؛ يدعون أن الأموات ينفعون ويضرون ويطوفون بالمشاهد والقبور ويؤأصلون في أتباعهم تلك البدع، حتى إذا هلكوا أقيمت لهم المشاهد، وصاروا أصحاب الطرق والأوراد، وليسير أتباعهم على ذات الطريق فينسجون لهم القصص الخرافية من الكرامات والادعاءات، وليقف الحمقى عند قبورهم ذات يوم يطلبون منهم المدد ويسألونهم الذرية والولد! 

أما اليوم، فصرنا نسمع تلك الخرافات على شاشات التلفاز في برامج تخاطب الجيل الناشئ ليتشرب تلك الخرافات التي تضرب قواعد طالما استقر عليها المجتمع، وتهدد أمنه الداخلي؛ فالذي يقول لأتباعه أن: "أهم حلع سقك يصو" هو ذكر ينتفع به صاحبه، وهو قربة لله حتى لو لم نفهم معناه هي نفس العقلية التي ستخرج للناس لتقول لهم: "وارد أن الله يلغي النار!"، وهو لا يدرك أثر تلك الكلمات على اندفاع الناس نحو المحارم، وكسر كل قواعد القِيَم التي بُنِي عليها المجتمع، فلم يعد هناك نار يخاف منها أرباب المعاصي!