الخطايا العشر لرجال الحراسات الخاصة!

  • 88

حدد خبراء الأمن 10 أخطاء تقع فيها الأجهزة الأمنية ضمن منظومة تأمين قيادات ورموز الدولة المستهدفين من قِبَل الجماعات الإرهابية، التي نجحت في تنفيذ سلسلة من الاغتيالات لشخصيات ورموز مصرية مهمة أثارت ضجة وقت حدوثها ونالت اهتمام وسائل الإعلام المحلية والعالمية منذ مطلع القرن العشرين بداية من اغتيال بطرس غالي، رئيس وزراء مصر الأسبق، في عام 1910، وكذلك اغتيال كل من أحمد ماهر باشا، ومحمود فهمي النقراشي، رئيسي وزراء مصر آنذاك، مرورًا بمحاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في حادث المنشية عام 1954، ثم اغتيال كل من الرئيس الأسبق محمد أنور السادات في حادث المنصة في عام 1981، والدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب الأسبق في عام 1990، والمفكر المصري فرج فودة في 1992، وصولًا بمحاولة اغتيال وزير الداخلية الأسبق اللواء محمد إبراهيم عام 2013، والنجاح في اغتيال قضاة العريش الثلاثة مايو الماضي، وأخيرًا اغتيال المستشار هشام بركات النائب العام منذ أيام.


يأتي على رأس هذه الأخطاء التي وصفها الخبراء بـ"الخطايا"، عشوائية الخطط الأمنية التي تعتمد على الطرق البدائية في التأمين، في مقابل التقنيات الحديثة التي تعتمد عليها الجماعات الإرهابية، مع غياب التحرك الاستباقي، والاعتماد على سياسة التحرك برد الفعل، بجانب غياب الوجود الأمني المكثف بالأماكن الحيوية، مع الكشف عن خطوط سير وأماكن سكن الشخصيات المستهدفة، فضلًا عن التقصير في التحري عن قاطني الأماكن السكنية التي تسكن بها الرموز المستهدفة، كما وضع الخبراء الأمنيون استراتيجية أمنية لمكافحة العمليات الإرهابية بصفة عامة وعمليات الاغتيال بصفة خاصة، تعتمد على شقين؛ الأول علاجي، والثاني تكتيكي.


في البداية طرح اللواء محمود القطري، الخبير الأمني، سؤالًا استنكاريًّا في إشارة منه إلى عدم قيام الأجهزة الأمنية بأي إجراء صحيح في إطار تأمين الشخصيات المستهدفة، قائلًا: ما الإجراءات الصحيحة التي تنفذها الأجهزة الأمنية في إطار تأمين الشخصيات العامة والمستهدفة؟ مؤكدًا أن الخطط التأمينية تتم بطريقة عشوائية، حيث لا تطبق الأجهزة الأمنية أبسط البديهيات الأمنية المعمول بها التي رسختها العلوم الأمنية واستقرت عليها كل الأجهزة الأمنية بمعظم دول العالم، مؤكدًا أن الأخطاء التي تقع فيها الأجهزة الأمنية كثيرة وجسيمة وتعد من الخطايا وليست من الأخطاء؛ لأنها تتكرر باستمرار، مستدلًا على ذلك بتشابه سيناريو مخطط اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات الذي نجحت فيه الجماعات الإرهابية، مع سيناريو المخطط الفاشل الذي استهدف وزير الداخلية السابق اللواء محمد إبراهيم.


وأضاف القطري، أن اغتيال النائب العام دليل دامغ على وجود قصور في تأمين الشخصيات العامة، لافتًا إلى أن الأجهزة الأمنية دائمًا ما تقع في أخطاء وثغرات تؤدي في النهاية إلى سهولة اغتيال رموز الدولة من قِبَل الجماعات الإرهابية، يأتي علي رأسها: أن مصر الدولة الوحيدة بالعالم تقريبًا التي لا توجد فيها منظومة للأمن الوقائي؛ ومِن ثَمَّ لا تتوافر قاعدة معلومات قوية في ظل غياب التحريات وتراجع أنشطة أجهزة المعلومات في الدولة، بحيث تتمكن الدولة في النهاية من تطبيق ما يُسمَّى بالأمن الوقائي، وهو استباق الأحداث الإرهابية، وضرب الإرهابيين قبل القيام بعملياتهم.


وأوضح الخبير الأمني، أنه لا يوجد لدينا قوات مدربة على منع الجريمة قبل وقوعها؛ وبالتالي يجب أن يوفر المسئولون هذه القوات عن طريق تقسيم كل مدينة وقرية ونجع إلى قطاعات تسند إلى مجموعات أمنية معينة لحماية هذه القطاعات، وهنا ممكن أن نعيد ما كان موجودًا من قبل تحت مسمى "عسكري الدرك" لكن بشكل متطور يناسب العصر، والذي سيعول عليها كثيرًا في مساعدة طاقم الحراسة الخاصة في تأمين خطوط السير؛ ومن ثَمَّ توجيه أطقم الحراسة بشكل صحيح.


وتابع: أن ثاني هذه الأخطاء اعتماد الأجهزة الأمنية دائمًا على استراتيجية العمل الأمني القائمة على سياسة "رد الفعل" وليس على استراتيجية "العمل الاستباقي" الذي يهدف إلى كشف وإجهاض المخططات التي تسعى إلى تنظيم أو تنفيذ أية أعمال إرهابية منذ بدايتها. وثالث هذه الأخطاء الاعتماد علي أجهزة بدائية في الكشف عن المفرقعات والسيارات المفخخة؛ ومِن ثَمَّ لا يمكن أن يسير موكب لشخصية عامة دون سيارات الكشف عن المفرقعات وسيارة تشويش لمنع أية اتصالات لاسلكية.


وأشار اللواء محمود القطري، إلى أن رابع هذه الأخطاء عدم تأمين الشخصيات العامة بما فيهم النائب العام المستشار هشام بركات، في خطوط سيرهم عبر قوات إضافية تساعد طاقم الحراسة الشخصي على تأمين خطوط السير، ولطالما بح صوتي وأنا أنادي المسئولين وأشدد عليهم بضرورة توفير القوات اللازمة لتأمين الشارع المصري بصفة عامة، منوهًا إلى أن تأمين الطريق يقتضي وجود قوات أمنية تؤمن الشوارع بفحص السيارات الموجودة على جانبي الطريق، إضافة إلى تنظيم المرور أثناء مرور الشخصيات العامة. ولفت إلى أن هذه القوات يجب أن تكون مزودة بتقنيات حديثة كالمجسات التي تسهل الكشف عن المفرقعات، إضافة إلى الكلاب المدربة للكشف عن المتفجرات.


ولفت إلى أن خامس هذه الأخطاء عدم التعامل مع عشوائية الشوارع خاصة التي تقع في خطوط سير تلك الشخصيات خاصة إشغالات وسيارات الخردة "المركونة على جانبي الشارع" حيث تعد بؤرًا لأية سيارات مفخخة أو متفجرات مزروعة بداخلها، ويأتي في المركز السادس من بين قائمة الأخطاء التي تقع فيها الأجهزة الأمنية المسئولة عن تأمين الشخصيات العامة، إطلاق النفير المميز لسيارات الشرطة المصاحبة لمواكب الشخصيات العامة، الأمر الذي يلفت الانتباه بأن هذا الموكب لأحد الشخصيات المهمة؛ وبالتالي يسهل رصده.


أما الخطأ السابع كما يراه الخبير الأمني، فهو أن أماكن سكن الشخصيات العامة معروفة للقاصي والداني؛ وبالتالي تسهل عمليات الاغتيالات عن طريق تحديد موعد خروج موكب الشخصيات المستهدفه منها. وثامن هذه الأخطاء اكتفاء الأجهزة الأمنية بتأمين الشخصيات المستهدفة عن طريق طاقم الحراسة الشخصي "الملاصق"، بينما يجب أن يتم التأمين على نطاق أوسع وأكثر شمولية، مثل تأمين مداخل ومخارج المناطق السكنية وتكثيف الكمائن المتحركة والثابتة بالمناطق التي تقطن بها الشخصيات المرصودة من قِبَل العناصر الإرهابية، حتى لا تتمكن الأخيرة من الدخول بسيارات مفخخة أو زرع عبوات ناسفة.


وتابع الخبير الأمني: أن الخطأ التاسع: عدم مراجعة هوية ساكني الشقق السكنية على جانبي الطريق الواقعة في خطوط السير بصورة دورية للكشف عن اندساس أية عناصر إجرامية بين السكان، خاصة أن هناك كثيرًا من المتفجرات تصنع داخل الشقق المستأجرة بنظام المفروش، التي عادة ما يستغلها الإرهابيون فى الاختباء بها فور ارتكاب جرائمهم، واختتم الخبير الأمني كلامه مؤكدًا أن عاشر هذه الأخطاء: عدم خضوع أسطح العمارات الموجودة على جانبي خطوط السير تحت سيطرة وإشراف رجال الأمن؛ مما يسهل استغلالها من قِبَل العناصر الإرهابية لتنفيذ عملياتهم أو لجمع المعلومات ورصد تحركات الشخصيات المستهدفة.


وحول سؤال "الفتح" عن الاستراتيجية الأمثل لمكافحة الإرهاب وتأمين الشخصيات العامة للحيلولة دون تعرضها للاغتيال، أكد اللواء رضا يعقوب، الخبير الأمني ومؤسس ومدرب مجموعة مكافحة الإرهاب الدولي، أن الاعتماد على الشق الأمني فقط في مكافحة العمليات الإرهابية سواء كانت تفجيرات أو اغتيالات لن يؤتي ثماره، كما أنه السبب في فشل الأجهزة الأمنية منذ مطلع القرن الماضي في منع العديد من العمليات الإرهابية التي استهدفت العديد من رموز الدولة.


وأضح يعقوب، أن هذه الاستراتيجية تعتمد على شقين؛ الأول علاجي، والثاني تكتيكي، مؤكدًا أن العلوم الأمنية الحديثة أثبتت أن مكافحة مثل هذه النوعية من الجرائم إنما تتم من خلال منظومة متكاملة تضم عدة محاور تتمثل في الحلول السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، ثم في نهاية المطاف تتم مكافحته مِن خلال محور الأمن، مشيرًا إلى أن مكافحة هذه الجرائم من خلال المحور السياسي يتمثل في إعداد تقرير يوضح العمليات الإرهابية التي وقعت داخل مصر، مصحوبًا بطلب يقدم للجنة مكافحة الإرهاب الدولي بمجلس الأمن لإمداد مصر بالتقنيات الحديثة التي تستخدم في مكافحة العمليات الإرهابية عن طريق الكشف عن أماكن المفرقعات، إضافة إلى مدها بالأجهزة الحديثة التي تستخدم في مراقبة وتعقب الجناة.


وأضاف الخبير الأمني، أن هذه اللجنة في حال الموافقة ستمد مصر بهذه الأجهزة مجانًا، لافتًا إلى أنه من ضمن هذه التقنيات المطلوبة زرع الكاميرات, مشددًا على ضرورة انتشارها في كل مكان حتى على العمارات السكنية؛ حيث إن هذه الكاميرات تعد بمثابة الوجود الشرطي بالشوارع, وبكل مكان مزروعة فيه، ومِن ثَمَّ سوف يضيق الخناق على العناصر الإجرامية، إرهابية كانت أو جنائية، تحسبًا لالتقاط تحركاتهم، أما مكافحة هذه الجرائم عبر المحور الاقتصادي، فيرى الخبير الأمني أن التنمية والتعمير خاصة في المناطق الحدودية النائية والصحراوية في سيناء وغيرها عبر إقامة المشاريع الاقتصادية والتجارية، الأمر الذي من شأنه أن يقضي على البطالة في تلك المناطق مما يكون له أثر إيجابي في القضاء على الإرهاب، خاصة أن العوز المادي له أثر كبير في وقوع كثير من الفقراء في شرك الجماعات الإرهابية.


وتابع: أن التثقيف الديني الصحيح الذي يرسخ المفهوم الحقيقي للدين الإسلامي سيؤدي دون شك إلى مكافحة الفكر الإرهابي الذي يستهدف السلم الاجتماعي عبر التفجيرات والاغتيالات. وأخيرًا من الناحية الاجتماعية قال: إنه ينبغي توعية الرأي العام بمدى خطورة الاغتيالات والتفجيرات التي تقوم بها الجماعات الإرهابية على الدولة، مع السعي في مناقشة جميع القضايا المجتمعية خاصة مشاكل الشباب كالإسكان والبطالة سعيًا للوصول لحلول جذرية لها سيؤدي دون شك إلى الحد من انضمام كثير من الشباب لذلك الفكر المتطرف.


وأشار مؤسس ومدرب مجموعة مكافحة الإرهاب الدولي، إلى أنه يأتي على رأس الشق الثاني من تلك الاستراتيجية المتمثلة في الشق التكتيكي، استخدام التقنية الحديثة؛ حيث إننا أصبحنا في حاجة ماسة لاستخدام التقنية والأساليب الحديثة في الخطط الأمنية؛ وبالتالي يجب على الدولة توفير جميع الإمكانيات التي تتناسب مع متطلبات العمليات التأمينية، خاصة في ظل استخدام أساليب متطورة في زرع المفرقعات وتفخيخ السيارات؛ الأمر الذي ينبغي معه استخدام أساليب وتقنيات حديثة تواجه ذلك، وتتمثل في أجهزة خفيفة الحمل تدعم بها سيارات الدوريات والسيارة التي توجد في مقدمة حراسة الشخصيات المهمة.


ولفت إلى أن هذه الأجهزة من شأنها أن تكشف من بُعْد 200 متر -على الأقل- عن وجود متفجرات, ومن هنا تتحرك الأجهزة المعنية لتمشيط المنطقة بما تحويه من أشياء يسهل إخفاء المتفجرات بها، مع تدعيم مواكب السير بسيارات التشويش وكشف المتفجرات، وفي الوقت نفسه يجب إنشاء مراكز تدريب لرجال الشرطة على جميع المستويات بشكل يلائم تطور أساليب التحركات الإرهابية، كالتدريب على محاربة الإرهاب والحراسات الخاصة، بحيث يتم إخضاع جميع أفراد الشرطة إلى هذه المراكز بشكل دوري، وعلى فترات زمنية متقاربة، مع وجوب تغيير خط سير وساعة خروج الشخصيات المستهدفة، مع أهمية استخدام سيارات مشابهة في الموكب نفسه بحيث يصعب تحديد سيارة الهدف المطلوب.


وشدد اللواء رضا يعقوب، على ضرورة التكتم على أماكنهم السكنية للحيلولة دون رصد تحركاتهم، وينبغي أيضًا أن تنشط أجهزة المعلومات لإحباط أية مخططات إرهابية عن طريق ضبط المتفجرات في مهدها؛ حيث إن صناعتها تتم داخل الشقق المستأجرة, ومن ثم يجب التنسيق مع ملاك ومؤجري البنايات السكنية عن إبلاغ الشرطة بالمستأجرين الجدد خاصة المفروشة التي عادة ما يستغلها الإرهابيون في الاختباء بها فور ارتكاب جرائمهم أو لصناعة المتفجرات داخلها؛ وبالتالي تكون هذه الشقق مرصودة من قِبَل الشرطة مما يسهل الكشف المبكر عن هؤلاء المجرمين، ولابد من توافر قاعدة معلومات قوية عن طريق تكثيف التحريات وزيادة نشاط أجهزة المعلومات في الدولة، بحيث تتمكن الدولة في النهاية من تطبيق ما يسمى بـ"الأمن الوقائي"، وهو استباق الأحداث الإرهابية، وضرب الإرهابيين قبل القيام بعملياتهم، ومِن ثَمَّ يجب أن يخضع قاطني المناطق التي توجد بها الشخصيات العامة ورموز الدولة للبحث والتحري الدوري لهؤلاء السكان للتعرف على هوية كل منهم؛ حرصًا على تأمين هذه الشخصيات المستهدفة، مع عمل تحريات كافية عن كل شخص يعمل ويتعامل مع الشخصيات العامة للكشف عن انتمائتهم والوقوف على أية تغيرات فكرية تطرأ على أفكار هذه الشخصيات.


كما شدد على ضرورة مكافحة عشوائية الشارع من إشغالات وسيارات الخردة "المركونة على جانبي خطوط السير"؛ حيث تعد بؤرًا لأية متفجرات تزرع بداخلها، كذلك يجب تطهير الشوارع من "سياس" السيارات مجهولي الهوية المتيسر تجنيدهم، ولابد من وجود تعاون دائم بين الأجهزة الأمنية الدولية، وأجهزة الأمن المصرية؛ لتبادل الخبرات والمعلومات فيما بينها، وأطالب المسئولين بضم رئيس المجلس القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إلى اللجنة القومية للأمن القومي؛ لما للمركز من دراسات قيمة في إطار مكافحة الإرهاب والتطرف.

الخطايا العشر لرجال الحراسات الخاصة!