المؤسسية وفتوى الشيخ

  • 105
الدكتور رجب عبد التواب

لا شك أن البناء أمر يحتاج إلي مجهود كبير وتكليفات عالية، لكن ما أسهل الهدم!

عندما تريد أن تنتقل بمجموعة ما عاشت فترة طويلة تعتمد في تصرفاتها علي قراراتها الشخصية، وما يترتب علي حاجتها، وما تشعر به فقط؛ إلي الاندماج في وسط يحيط بها والـتاثر والتأثير في مجموعات أخري؛ فهذا الأمر ليس بالسهل الهين، إنما يتطلب مرونة فكرية وحراكا ثقافيا لكي تتقبل هذا التغير الذي يطرأ على سلوكياتها.

حتي يكون الأمر واضحا، فإنني أعني بهذا الكلام "الثمن الذي نتحمله عندما ننتقل من التبعية لأفراد إلي الفكر المؤسسي، وكيف أننا نتمسك بالانتماء للكيانات ونتخلي عن الترقب المستمر لآراء فلان أو غيره مهما كان اسمه وحجمه، ما دام هو قد رضي الانضمام تحت لواء هذا الكيان".


وسرعان ما تقفز إلي السطح قضية العمل الجماعي، والتي هي لب ما نتكلم عنه، وهي الأصل لما نحن فيه من خلافات الآن؛ فقضية العمل الجماعي لها تداعيات في أوساط العمل الإسلامي اكتسبت زخما كبيرا، ولا تزال، ووجهت التهم إلي الدعوة السلفية، وشن عليها الهجوم بسببها بين مشكك في مشروعيتها ومختلف علي آليات تفعيلها، ومتساءل عن الفائدة منها.


الحاجة ماسة الآن لإعادة طرح هذه القضايا والتربية عليها؛ فهي كفيلة بنزع فتيل العديد من أزماتنا الآن، لا سيما إذا انضم إليها قضية فقه الخلاف.


الكثير من الناس يتكلم عن فتوي الشيخ الحويني والدعوة لمقاطعة الاستفتاء علي الدستور، ويستدل بها، بل ويريد أن يلزم كل التوجهات بها، مستندا لما للشيخ من مكانة علمية ومجتمعية؛ ولا يشكك أحد أبدا فيما يحظي به الشيخ من قبول لدي العامة والخاصة، نسأل الله أن يزيده!! لكن يبقي السؤال هنا: متي سنصل إلي المؤسسية، ومتي سننتقل من رأي الشيخ إلي رأي الجماعة؟!


الكثير من الناس يقول أنا متوقف حتي أعرف رأي الشيخ الفلاني، ويترك عددا غفيرا من العلماء قد أدلي برأيه، وربما هو لا يكتفي باتباع رأي الشيخ، بل ينتقل مباشرة لسب من خالف اجتهاد الشيخ.


نحن في أزمة فكرية طاحنة ندور في حلقات مفرغة، فتارة نتحصن برأي العلماء، وتارة نسقط ونسب هؤلاء العلماء أنفسهم!

علي الجميع أن يدرك أننا لن نخطو خطوات ثابتة نحو التقدم وتحقيق ما نهدف إليه؛ ما لم نطور من طرقنا في التفكير والتخطيط والتنفيذ؛ وهذا لا شك له ثمن، فربما تجد نفسك اليوم مضطرا لأن تتصرف بشكل يخالف مباشرة فتوى الشيخ الذي لطالما أحببته وتربيت علي يديه ووثقت فيه؛ فهذه هي طبيعة الاجتهادات، وهذه هي طريقة التعامل مع الواقع، فعلينا أن نتحلي بالمرونة ما دمنا نحافظ علي ثوابتنا ونتمسك بها.

ويبقي سؤال أخير: إذا كانت الطريقة التي نتبعها في تفكيرنا وعشنا عليها ومن الصعب أن نغيرها، ومقتنعون تماما أنها هي الصواب فأين ثمارها؟ ولماذا لم نتقدم؟ ولماذا تنتقل الأمة من وضع سيئ لأسوأ منه؟

التغيير صعب، لكن من يتهيب صعود الجبال سيعيش أبد الدهر بين الحفر.