إشكالية تربية الأولاد وأزمة الجيل الناشئ

  • 212
الولد من سعي والديه وكسبهما

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا يدخر الآباء وسعًا في القيام على مصالح أبنائهم المادية مِن: طعام وشراب، وملبس، ومسكن، وتعليمهم -أيضًا-: الطب، والزراعة، والهندسة.. بل مساعدة الأبناء -أحيانًا- في الزواج، ويرون بعد ذلك أنهم قد أدوا كل ما عليهم، وما عسى الواحد منهم إلا أن يموت قرير العين، ومِن عجيب الأمر أن الوالد لا يمل أبدًا من نصح ابنه بالمذاكرة وإتقانها حتى يتفوق في دراسته، بينما هو لا يكلف نفسه أن ينصحه مرة بالمحافظة على الصلاة أو تلاوة القرآن أو غض بصره عن الحرام، وإذا قيل له ذلك؛ قال: "كل إنسان معلق من عرقوبه"!

وهذا الذي نحكيه ليس خيالاً، ولا هو حالة فردية، بل هذه حالة الأعم الأغلب من الآباء، كلهم يفرح لنجاح ولده في الامتحان وحصوله على الشهادة الجامعية، ويحزن بشدة لرسوبه في دراسته، بينما هو لا يحزن إذا فرط ابنه في صلاته، بل قد يصده ويصرفه عنها بزعم أنها ستضيع وقته!

عققناهم صغارًا؛ فعقونا كبارًا:

إنها إضاعة للأمانة، وصورة فجة من صور المادية المعاصرة، وإهدار لمعاني التربية الإيمانية الصحيحة، وعقوق للأبناء، ولذلك؛ لا نستغرب إذا عقونا كبارًا!

لقد انفصلت الدنيا عن الآخرة، وأصبحت الدنيا هي كل همنا، ومبلغ علمنا، وتوهمنا -مع ذلك كله- أننا نحسن الصنع ونؤدي واجبنا بأمانة وإتقان!أين نحن من قول الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) ؟! وفي الحديث: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) متفق عليه، ولن تزول قدما ابن آدم من عند الله حتى يسأل كل راعٍ عما استرعاه حفظ أم ضيع.

وقد أمر -سبحانه- بأداء الأمانة، فقال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)، (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً)، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (آيَةَ الْمُنافِق ثَلاثٌ: إِذا حَدَّثَ؛ كَذَب، وَإِذا وَعَد؛ أَخْلَفَ، وَإِذا اؤْتُمِنَ؛ خَانَ) متفق عليه، وفي رواية: (وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ) رواه مسلم.

لا بورك في دنيا تأتي على حساب الدين:

لا مانع -أبدًا- من إتقان الدراسة والأخذ بأسباب النجاح والفرحة بالحصول على الشهادة الجامعية، ولكن أين الحرص على الصلاة والتقوى، والتزام طاعة الوقت من صلاة وتلاوة القرآن؟! وهل هناك تعارض في ذلك؟ كلا، فلكل مقام مقال، ولا بورك في دنيا تأتي على حساب الدين.

والوالد جزاه الله خيرًا على إحسانه لأولاده بالطعام والشراب والمسكن، ولكن أين حرصه على إقامتهم على دين الله، وقيادة المنزل قيادة إسلامية، وتربيتهم على كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وزجرهم عن مخالفة الشرع الحنيف؟!

الولد من سعي والديه وكسبهما:

فالولد الصالح هو خير ثروة للإنسان في حياته وبعد مماته، ولذلك؛ يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ؛ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) (رواه مسلم)، والذرية الصالحة يُجمع شملها مع آبائها الصالحين في الجنة: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)، وفي تفسير قوله -سبحانه-: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى)، قال العلماء: إن ابن الإنسان من سعيه وكسبه، وهو من جملة آثاره، ولذلك؛ فعمله الصالح ينتفع به الوالدان دون أن ينقص من أجره شيء، ولو أساء الابن؛ فعليه إساءته طالما قاما بحقه في التربية الصالحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).

وقد استحب العلماء الفتح على الصبي بكلمة الحمد والشهادة، وتعليمه معاني السيرة، وتحفيظه القرآن والحديث، وتعويده الأخلاق والآداب الإسلامية، وفي وصية لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)

وكـانـوا يحـرصـون على تـربيـة أولادهـم تربيـة إسـلامـية متـكامـلة:

خـلقـيًّا وفـكـريًّا وجـسمـانيًّا، ويغـرسون فيـهم معـاني الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، ويعودونهم حب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومراقبة الله -تعالى- في السر والعلن، ويعلمونهم أحكام الحلال والحرام، ويجنبونهم الكذب والسرقة، والسباب والشتائم، والخلطة الفاسدة، والميوعة والانحلال، والقدوة السيئة، ويستحثونهم على الرياضات البدنية النافعة، ولذلك؛ كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه يقول: "علموا أولادكم السباحة والرماية، ومروهم فليثبوا على ظهور الخيل وثبًا".

دور المربي الصالح:

وكان الآباء يدفعون بأبنائهم إلى المربين ويزودونهم بالنصائح، فقد روى الجاحظ أن عقبة بن أبي سفيان لما دفع ولده إلى المؤدب قال له: "ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بنيَّ إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت، وعلمهم سر الحكماء، وأخلاق الأدباء، وتهددهم بي، وأدبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل الدواء حتى يعرف الداء، ولا تتكلن على عذر مني، فإني قد اتكلت على كفاية منك".

ولما دفع هارون الرشيد ولده الأمين إلى المؤدب قال له: "أقرئه القرآن، وعرفه الأخبار، وروِّه الأشعار، وعلمه السنن، وبصِّرْه بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، ولا تمُرَّن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقوِّمْه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما؛ فعليك بالشدة والغلظة".

مخاطر عظيمة تهدد صغارنا:

ومن الخطر العظيم أن نترك أولادنا لوسائل الإعلام الخربة كالتليفزيون ونحوه، ومناهج التعليم العلمانية اللادينية، وأبناء الأقارب والجيران الفاسدين، والمجلات والبرامج التي تعوِّد الأطفال الخياليات والخرافات والخزعبلات وحياة الأساطير، فلا بد من تعاهدهم بكل صور الحفظ والصيانة؛ لأنهم أمانة بين أيدينا، ولتعلم أن قلبك وقلوبهم بيد الله -سبحانه- وما علينا إلا أن نأخذ بالأسباب الشرعية، ونتوكل على خالق الأرض والسموات في جلب النفع ودفع الضر، وكان سعيد بن المسيب يطيل في صلاته ويقول لابنه: "والله، إني لأطيل في صلاتي؛ رجاء أن أُحفظ فيك" ويتلو قوله -سبحانه: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا).

فحفظ الأبناء بصلاح الآباء، فاحفظ الله؛ يحفظك، واسأل الله من فضله، فالخير كله بيديه، والشر ليس إليه.

كتبه/ سعيد عبد العظيم