بيتنا الضيق

نجلاء جبروني
بيتنا الضيق

كم أكرهُ هذا البيت الضيِّق، كم ضاقت به نفسي، كما ضاقت بنا حجراتُه وأركانُه، كم ضاقت نفسي بأبٍ لا يُحسن إلاالصراخ، فقط يأمر وينهى، ولايعطينا ما يكفي.
كم ضاقت نفسي بأمٍّ لا تكفُّ عن الطلب، دومًا تشتكي التعب، لا تحسن إلا أن تبكي، كم ضاقت نفسي بهؤلاء الصغار، يضايقونني باستمرار، يأخذون أقلامي وأوراقي، لقد سئِمْتُ أصواتَ الشِّجار.
كم ضاقت نفسي بهذا الشارع السدِّ، كرهتُ النظر من النافذة، طالما حلمتُ بباقة ورد، كرهتُ هذه الثلاجة الخاوية.
كم تمنيتُ أن أكونَ مثلُ صديقاتي؛ أنْعمُ بالبيتِ الواسع والحياة المترفة، ومرَّتِ الأيَّام، وكبرت.
مات أبي وبعدها تزوجت، حققت أحلامي، أنجبتُ أطفالي، ثم ماتت أمِّي وبِيع بيتُنا الضيِّق.
الآن عرفتُ خطئي، أشعرُ أني أحتاجُ إلى بيتي؛ بيتِ أبي وأمِّي، كم كنت غافلة؛ أتنعمُ بنعم ربِّي وألتهي عن شكره، كان لي أبٌ يحمي، وأمٌّ تربِّي، وبيتٌ يأوي، لكنِّي كنتُ كارهة.
الآن عرفتُ قيمة النِّعم، لكن للأسف، ما شكرتُ يومًا أبي ولا أمِّي، بل كنتُ ناقمة، و "من لم يشْكُرِ الناسَ لم يشْكُرِ اللهَ"، {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}.
لم أقدِّر جهود أبي ولا تضحيات أمِّي، لم أفهم أنه كان يصرخُ في وجهي خوفًا على مستقبلي وحرصًا على مصلحتي.
كان يصرخ لأني لا أستجيب، فينادي عليَّ بأعلى صوته وقد أنهكه التعب، وتورَّمتْ قدماه من الوقوف، ويريد أن يستريح.
سامحني يا أبِي، الآن عرفتُ قدرك، سامحيني يا أمِّي، الآن عرفتُ أنَّك ما طلبتِ الكثير منِّي؛ ما طلبتِ إلا مساعدتي، كنتُ أنا البخيلة، أبخلُ على أمِّي ولو بمساعدة أو بكلمة طيبة، لم أرَكِ إلا بعينٍ ناقدة، لم أرَكِ إلا مقصرة.
نعم كان بيتُنا صغيرًا ضيِّقًا؛ لكن كانت أركانه تحمل ذكرياتي وآمالي، كنتُ أراه بعينٍ ساخطة، كم كنتُ سيِّئة، "انظروا إلى من هو أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقَكم، فهو أجدرُ ألا تزدروا نعمةَ اللهِ عليكم".
كان عليَّ أن أحمد الله على نعمه، فالشكر سببٌ لثبوت النعم: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}. كم أشتاقُ إلى أبي وأمِّي، كم أحِنُّ إلى هذا الشارع السدّ، لم أعرف أنه سيبقى في قلبي أغلى من الورد، كم أشتاقُ إلى بيتي، كم أحبُّ هذا البيت.

  • كلمات دليلية
  • شكر النعم
  • البيت