ألا بَرَّكـــــــــــــــــــــــــتَ

الحسد والعين

نهى عزت
ألا بَرَّكـــــــــــــــــــــــــتَ

ألا بَرَّكْتَ!! بقلم نهى عزت

زارتها إحدى صويحباتها فوجدت عندها من خيرات الله في بيتها ما يبهج النفوس السليمة، لكن الزائرة لم تُبدي اهتمامًا؛ بل وجَّهت لها النقد حتى لا تشعرها بالتميز، وفي قرارة نفسها منزعجة من الخير الذي وقعت عيناها عليه، وتتمنى أن لو كان هذا لها، وإن لم يكن فهي ترجو زواله من يد صاحبتها!

وأخرى ذهبت لها إحداهن فتحسست عندها استقرارًا في البيت، وسعة في الرزق، وجمالًا وبركة في الأبناء؛ فظلت تردد أمامها الله أكبر الله أكبر، ما كل هذا الجمال! اللهم صلِّ على النبي العدنان..

وقد تُلحن قائلة ضاحكة (خمسة وخميسة أنا همسك الخشب حتى لا تُصابوا بالعين يا أهل الإحسان) ..!!!

في الحقيقة لا المذكورة في النموذج الأول تُصطحب، ولا الثانية تُترك بلا توجيه، فالأولى وجب منها الفرار؛ لأنها حاقدة حاسدة لا تصلح معها صُحبة ولا مخالطة، والثانية جاهلة لا تعلم ما يقال وفي أي مقام يُذكر، بجانب أن التخميس والاعتقاد فيما لا يضر ولا ينفع داخل في باب الشركيات بالله.

بداية هل من الممكن أن يحسد الإنسان نفسه؟!

نعم؛ قد ينظر الإنسان في نفسه أو ماله أو ولده؛ فيدخله العجب بما عنده وتلمع عينه؛ فيقع في حسد نفسه وإيذائها دون أن يدري، وهنا نجد أن القرآن الكريم صوَّر لنا حكاية صاحب الجنتين في سورة الكهف الذي قال "وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أنَا أكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأعَزُّ نَفَرًا* وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبيدَ هذِهِ أبَدًا"

حتى وقعت المصيبة على خراب حديقته وقد أصبحت خرابًا، ثم كيف وجَّه القرآن إلى أنه كان الأولى به أن يقول "ما شاء الله لا قوة إلا بالله" إذًا هذا هو السر في الوقاية من شر النفس، أن يسمي المعجب بما عنده على ما في يده ويذكر الله؛ حتى يدعها في حفظ الله ورعايته.

 

أما ما هو أشد إيذاء -ولا يمكن للشخص أن يتحكم فيه إلا باتباع ما أرشد إليه الحافظ الحكيم سبحانه- وهو عين العائن وحسد الحاسد، هذا إن كان ناسيًا للتبريك والتسمية سهوًا؛ ونقول سهوًا لأن هناك صنف ظالم لنفسه ولغيره، حسود يتمنى زوال نعمة الغير، ودائمًا ما يضع نفسه في مقارنة مع غيره على ما عنده من خيرات الله، وينسى أن الله قد يكون سلب منه نعمة أخرى، إلا إن الإنسان ظلوم جهول جاحد يكفر بنعم الله عليه، ويستكثر نعم الله على غيره، وهذا الشخص المتعمد الظالم تجده نفسه غير سوية، كثيرًا ما يعقد المقارنات، يشغل نفسه بكل صغيرة وكبيرة لا تخصه، متتبع لحياة غيره مهتم بشؤونهم أكثر من شؤون نفسه؛ ليس حبًا فيهم ولكنه التطفل والحقد والحسد الذي يملأ قلبه يجعله لا يهدأ له بال حتى يتحسس أحوال الناس، ويقارن نفسه بهم، هذا الصنف وجب الابتعاد عنه أولًا، والتحصن منه بأذكارك وأورادك، ولا تنسي الرقية قبل ملاقاته، وإن استطعت أن تخفي عنه حالك فافعلي لأنه لا يؤتمن.

 

أما الصنف الثاني الذي تخونه النظرة؛ تجد لسانه غير متعود على قول "ما شاء الله لا قوة إلا بالله اللهم بارك" عليك أن تذكره بها دائمًا، لا تجعل لسانك يغفل عنها طوال حديثك معه؛ لأنه فقط يحتاج التذكرة، وعليه أن يتقبل الأمر بصدر رحب دون إزعاج أو غضب؛ لأنك خائف منه ومن عينه؛ فهذا ليس كلامك ولا زيادة خوف منك، إنه كلام سيد البشر الأمين الذي قال للرجل ألا بَرَّكْت! فالتكبير والصلاة على النبي ذكرٌ حسن طيب، لكنه ليس هذا موضعه، أو لا يكفي كف الأذى في هذه الحال، كمن يصف دواء لمريض ولكنه لعلة غير علته؛ فالدواء سليم ولكنه لا يفيد العليل.

عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف -رضي الله عنه- قال: "مرَّ عامر بن ربيعة بسهل بن حنيف -رضي الله عنهما- وهو يغتسل، فقال: لم أر كاليوم ولا جِلدَ مُخبّأة، فما لبث أن لُبِطَ به، فأتي به النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقيل له: أدرك سهلًا صريعًا، قال: من تتهمون به؟، قالوا: عامر بن ربيعة، فقال: علام يقتل أحدكم أخاه؟ إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة، ثم دعا بماء، فأمر عامرًا أن يتوضأ، فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وركبتيه وداخلة إزاره، وأمره أن يصب عليه" رواه ابن ماجة.

 

نسأل الله العافية ممن يسعون في الأرض فسادًا، ولسانهم لا يفتر عن ذكر الناس، والتنظير على أفعالهم وأعمالهم، وأعينهم تتبع عوراتهم وهم عندهم ما يكفيهم في حياتهم؛ لكنه مد الأعين إلى متاع الآخرين، حتى يتسببوا في زوال الخير عن الغير، وكان يكفيهم قول ما شاء الله لا قوة إلا بالله اللهم بارك؛ مطبقين أمر نبيهم "ألا بركت" لندفع به أذى العين؛ فإن "العين تدخل الرجل القبر و تدخل الجمل القدر".