طرقتْ بابَ النبىِّ

بشرى لكل أم

  • 362
أرشيفية


طرقت الباب الشريف من فقرها تسأل، وفي يديها طفلتان في رقة الطير، ولسع الجوع قد لوى البطون، فعادت وقد نالت قصورًا وأنهارا وفاكهة غير مقطوعة وثمارًا، ولكنها آجلة والأجل قريب، أقرب من شراك النعل، إنها امرأة لم نعرف اسمها ولا وصفها، ولكن الله يعلمها واختارها من أهل جنته، لم نعرف لها كثير عمل ولا رواية حديث، ولا حفظ متون ولا شهرة في عبادة، ولم تكن شهيدة في غزوة، لكنها امرأة فقيرة فحسب.

أتت بيت عائشة أخرجها الجوع والمسغبة، فسألت شيئًا تأكله، فأعطيت ثلاث تمرات فناولت طفلتيها تمرتين، ورفعت واحدة لفمها فكانت الطفلتان أسرع في تناول تمرتيهما، فهما حبيب جاءهما على فاقة، أما هي فمثلي ومثلك ككل أم تتأخر في الأكل والنوم، وكل ما تحتاج حتى يُطعم أبناؤها وينامون، فرفعت الطفلتان أيديهما النحيلة من جوع، تطلبان من أمهما مزيدًا، فشقت تمرتها بينهما وطوت على الجوع تبتسم، وعائشة تنظر لهن وتعجب وتتألم، لكن ليس لها من عطاء آخر.

ثم مضت المرأة توارت وانتهى المشهد، فلم نعلم عنها شيئًا سوى تلك اللمحة، مضت بجوعها بعدما شقت تمرتها بين بنتيها لتكمل حياتها تشقها بينهما، ولما حكت عائشة ما رأت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لها إن الله كتب لها بتمرتها التي شقتها جنة!! يا الله!! جنة بتمرة شقتها، ما أقربها وما أرغبنا فيها، وكأن موازين العمل ليست بالتي نعرف، فكم منا من شقت حياتها بين أبنائها تعطي طعامها للجائع، وتبذل من جهدها للعاجز منهم، وتحمل الصغير وتسهر مع مريضهم، وتنظف لهم، وربما ألبستهم جديدًا، واكتفت بقديمها، وأطعمتهم شهيًا واكتفت بقديدها، فبشراكن من أمهات.

لو أن عائشة -رضي الله عنها- بيننا ترى ما نرى لربما روت للنبي -صلى الله عليه وسلم- قصة فلانة وفلانة فبشرها الرسول -صلى الله عليه وسلم- بجنة عريضة لتلك الأم التي شقت حياتها لأبنائها، فبشراكن بالجنة، فاحتسبنَ ولا تحقرن من الأعمال شيئًا.