هكذا تهون المصائب

شرح دعاءٍ نبويّ

  • 1383
أرشيفية

 


ورد في شرح الدعاء المأثور عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "..ومن اليقين ما تُهوّن به علينا مصائب الدنيا.." أن العبد لا يخلو عن المصائب، فإذا كان عنده يقين أن الله تعالى هو الذي قضى هذا وقدره، وأنه إنما قدره سبحانه لحكمته البالغة فإنه يرضا ويُسلّم لحكم الله وتهون عليه مصيبته.

واليقين هذا يتأتى إذا صلح إيمان العبد وأسلم أمره كله لله، وهو أعلى مرتبة ومنزلة في درجات الإيمان، لأنه إيمان لا شك معه ولا تردد، فعندما يكون الإنسان على إيمان واقتناع تام أن كل ما يجري في هذا الكون بمراد الله وحكمته البالغة التي قد تخفى على العبد، لكنها من تدابير الله في كونه عندها يرتاح باله ويطمئن قلبه.

وحتى نُقوي هذا اليقين ونجعله راسخًا في نفوسنا ونثبته، لابد علينا أن نتدبر في كتاب الله، ونتعرف على عظمة الله سبحانه وتعالى، وندرس العقيدة الصحيحة دراسة سليمة، ونفهم معاني أسماء الله وصفاته، ونشرع في دراسة سيرة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، ونتعرف على أخباره ومواقفه وصوره في الدعوة إلى الله، وكيف ربَّى الصحابة على تثبيت أركان الإيمان في نفوسهم، عندما علّم ابن العباس هذه الكلمات: "احفظ الله يحفظك" إلى أن قال: "واعلمْ أنَ ما أصابكَ لم يكن ليُخطِئَكَ وما أخطأكَ لم يكنْ ليصيبكَ..".

وقرب إليهم الغيبيات بوصفها، فوصف الجنة والنار وما أعده الله لعباده الصالحين، وجزاء الكافرين المعاندين، وبيان أشراط الساعة وعلاماتها.

وجمْع ملاك ذلك كله لتحقيق اليقين بالله، في الدعاء الذي هو أساس العبادة وسر قوتها وروح قوامها؛ لأن الداعي إنما يدعو الله وهو عالم يقينًا أنه لا أحد يستطيع أن يجلب له خيرًا أو يدفع عنه ضرًا إلا الله جل وعلا، وهذه هي حقيقة التوحيد والإخلاص، ولا عبادة أعظم منهما، فاللجوء إلى الله -سبحانه وتعالى- والإلحاح عليه أن يقوي اليقين ويثبت القلب في خضم هذه الأحداث وسرعتها، وكثرة الفتن وتقلبات الأحوال، فكان من الأهمية سؤال الله أن يثبتنا على طاعته وعلى دينه كما ورد في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: (وسَلُوا اللهَ اليقينَ والمُعافاةَ؛ فإنَّهُ لمْ يُؤْتَ أحدٌ بعدَ اليقينِ خيْرًا من المُعافاةِ)، ولهذا كان -صلى الله عليه وسلم- يدعو قائلًا: (اللهمَّ اقسِمْ لنا مِنْ خشيَتِكَ ما تحولُ بِهِ بينَنَا وبينَ معاصيكَ، ومِنْ طاعَتِكَ ما تُبَلِّغُنَا بِهِ جنتَكَ، ومِنَ اليقينِ ما تُهَوِّنُ بِهِ علَيْنَا مصائِبَ الدُّنيا..".

فهذا اليقين يزيد المسلم قربة من الله، ويورثه التوكل عليه، وبه تحصل النجاة من المهالك، وتزداد الطمأنينة والشعور باستقرار القلب وصلاحه.

إن تقوية اليقين والتوكل على الله يجعل العبد في ضمان الله وأمانه، لا يتعلق بمخلوق، متنزه عن سفاسف المدح والذم ولا يحزنه عدم المخالطة عند حدوث المنع من قِبل الخلق.

عندما يقوى يقيننا بالله نتلقى أوامر الله ونواهيه باستجابة سريعة، عندما يمتنع عنا ما نحب ونفقد ما نبتغيه تتلقفنا معية الله، ونستحضر إيماننا بالغيب وما أعده الله من جمعٍ بعد الفراق يوم التلاق، عندها نتناصح بثبات زِد يقينك بالله؛ واجعلها تهون.