لا تنس أخاك

والريحُ تَصْفِرُ عنده

  • 1186



في تلك الليلة كانت الريح شديدة، تهتز منها النوافذ المحكمة وتتسرب من فتحة  صغيرة تحدث صفيرًا مرعبًا، والبرق يلمع في السماء، يزجره رعد هادر ثم يتتابع المطر خير السماء، يلامس الأرض فيسقيها، كم يهوى عمرو هذه الأجواء، لم يخرجه من تأملاته سوى صراخ الصغار من صوت الريح والرعد، أحكمَ عمرو غلق النوافذ وأسكت هذا الصفير، أما الصغار فآووا لحضن أمهم؛ فحملتهم إلى فراش وثير وغطاء ناعم دافئ، وطمأنتهم وسقتهم شرابًا حلوًا تتمايل أبخرته في الهواء، وشغلتهم في حكاية نسوا معها تحت الغطاء وحر المدفأة البرد والمطر  وصوت الرعد وصفير الريح.

ثم تسللت بعدما أخلد الصغار للنوم وعادت لتكمل شرابها الذي لم يبرد بعد، اقتربت من عمرو وناولته كوبه عند النافذة، كان يمسح عنها البخار هامسًا كأنما يحادث نفسه: "هناك في الجهة البعيدة بيوتٌ ليس لها زجاج في النوافذ، وربما ليست لها أسقف محكمة، وهذا المطر ربما غمرهم، والريح تصفر عندهم، تراهم كيف يُهدئون الصغار، وأي شيء يدفع بردهم ونحن هنا ننعم ولا نشعر بهم، كيف تهنأ يا عمرو وهناك زيد يشقى بالصقيع، ولا يملك حيلة لصغاره أو والده الكبير"،   تناول مفتاح سيارته وقال ساعة أو أقل سأعود...  

وفي المتجر القريب حمل العامل لسيارة عمرو بعض البطاطين والمعاطف  وجوارب وأطعمة وبعض الحليب، وسار حتى رأى تلك البيوت المهترئة كثياب أهلها، وجدرانها المتشققة كجلود ساكنيها، هناك أفرغ سيارته وتفقد حالهم على وعد لهم أنه سيأتي لهم غدًا، ثم وقف ينظر من هنا ليرى نافذته هناك بعيدة، وقد أُحكمت كما تركها وخلفها امرأته، وقد أدفأت صغارها.

وهنا أطفال لا يجدون من يدفئهم.. فهل من قلوب تشعر!! ومدخرات تُسعف، فدفء الإخوة يهزم كل برد، وحين يهطل خير السماء على الأرض ما أحوجنا لتكون أيدينا سحَّاء بكل خير.