ما أعظمها من فرصة!

ألا فلنغتنمها؟

منى المسلماني

  • 958

يركض الناس وراء الفرص، ويسعون لاستغلالها وعدم تضييعها من بين أيديهم حين تتاح لهم، فحين تجد مثلًا وظيفة عمل بعد التخرج مباشرة وفي مكان مناسب وبعدد ساعات قليلة وبمرتب مجزٍ فهذه بلا شك تعد فرصة!!

وحين تحصل على شقة "لوكس" في منطقة سكنية مريحة وسعرها أقل بكثير من المتوقع، فلن تتوان في شرائها إذا كان سعرها متوفرًا لديك، أو يعرض أحدهم عليك  عقد عمل في بلد غني، ولن يخطر لك ببال أن مثل هذا العرض سيُعرض عليك ذات يوم؛ لا شك أنك ستبادر بالقبول لأنها فرصة!

 

حين تبحث بين الأسواق عن سلعة معينة وتظل تتنقل بين المحلات لتختارها بأقل الأسعار فتقع عينك عليها معروضة ومكتوب عليها "أوكازيون" بنصف الثمن فيطير قلبك فرحًا لهذا العرض؛ فتدخل للشراء بلا أدنى تفكير أو تردد.. إنها الفرص.

وفي الحياة أمثال هذا كثير، وكل يوم تُعرض علينا فرص تلو الأخرى، ولكن بأشكال مختلفة وصور متعددة، هناك حكمة تقول: "نحن لا نوجد الفرص ولكننا أيضًا لا نضيعها"، سألت نفسي "ما أعظم فرصة قد تمر على الإنسان في حياته؟"، فتحيرت في الإجابة، ولكنني حين تفكرت في الحياة ومجريات الأحداث فيها وجدت أمثلة لفرص قد تكون أعظم بكثير من الأمثلة السابقة الذكر.

فحين يقع لأحدنا حادث سير أليم يدخل على أثره العناية المركزة ويظل بين الحياة والموت أيامًا ثم يكتب الله له النجاة ما أعظمها من فرصة.

وحين يفاجأ أن الدنيا ابيضت أمام عينيه، وحركاتها وضجيجها سكنت بين يديه، وهدأت فجأة فيقع ممددًا على الأرض جثة بلا حراك ويحاول الناس إنقاذه بأي وسيلة فلا يجدون إلا وسيلة ضعيفة هزيلة فيستخدمونها وما باليد من حيلة، فيصبون الماء عليه صبًّا فإذا به يستفيق، ما أعظمها من فرصة.

حين يكون في المعركة بين الصفوف، وبيده مسدسه يحاول تصويب الهدف المطلوب؛ فإذ بطلقة نارية تأتيه بمحاذاة رأسه لتخرق جدار الحائط المستند عليه؛ فينظر إلى أثر خرق الجدار بذهول ويتحسس رأسه فيجدها سليمة لم يمسها أي سوء.. ما أعظمها من فرصة.

يوميًا يجري على الشاطئ بعد الفجر بحيوية ونشاط ليقوي ويفتل العضلات، فإذh بسيارة مسرعة تصدم شابًا بجواره مباشرة؛ فيموت فيري أثر الدماء على الأرض ورأسه قد تهشم من أثر الارتطام.. ألا تعد هذه فرصة؟ بلى والله إنها فرصة وما أعظمها من فرصة! أن أتى ملك الموت بجواره فتعداه وقبض روح غيره! كلها فرص قد يمنحك الله إياها خلال رحلة الحياة.

حين تأملت هذه الفرص وقارنتها بالفرص قبلها أدركت أن الفرصة الحقيقية هي أن يمد الله لك في العمر مع صدمة تأتيك وكأن المقصود منها إيقاظك من السبات يا كثير الغفلات، هذه الصدمة تتيح لك فرصة الاستدراك وتعديل -بل تغيير- المسار للرجوع إلى الله الواحد القهار.

هي فرصة أن أوضح الله لك من خلالها حقيقة الدنيا وقدرها، وأنها قد تنتهي بك في أي لحظة، وشاهدت ذلك بعينيك، فنقلتك هذه الصدمة من عِلم اليقين إلى عين اليقين، فكان الأثر منها أقوى والاتعاظ أشد..

هذه الفرصة منحها الله لأناس وحرم منها آخرون، فقد كثر موت الفجأة فكم من صحيح مات من غير علة، فيا لحسرة من أُخذ على حين غفلة ولم يكن مستعدًا ولم يمنح الفرصة.

ويا لشدة حسرات من جاءته الفرصة فضيعها، ولم يعتبر بها، ولم يفهم مراد الله منها، انقطع عذره فبأي وجه يلقى ربه، وقد أتاه النذير فلم يزده إلا مزيدًا من التقصير، قال تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} نعم إنها حسرات تتلوها حسرات فهل من مُعتبر بها  قبل السكرات؟!

وأخيرًا.. فتش في حياتك عن فرصتك الخاصة، ستجدها بالتأكيد قد مرت عليك، وقد منحك الله إياها، وإن لم تستطع استخراجها فلتنظر إلى أقرب الأشياء منك، دقات قلبك وتردد نفسك، فإنهما ما زالا يعملان، فهذه فرصتك الخاصة بك.

دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ ** إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَوان

فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها ** فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني

فهلا اغتنمنا هذه الفرصة وانتبهنا لها؟!