الناسُ منازل

الحِكَم في اختلاف مراتبهم

ا. مني المسلمانــــــــي
  • 616
أرشيفية

الناس منازل، فمنهم الطبيب ومنهم المهندس ومنهم المدرس ومنهم العامل البسيط ومنهم الفلاح الذي لا يحسن القراءة ولا الكتابة، ومنهم ماسح الأحذية ومنهم حارس العقارات،

فرق شاسع وبون كبير، فهذا قد تقلد أعلى المراتب وارتقى أدق الوظائف، وذلك قد رضا بما هو أقل من ذلك بكثير.

هذه طبيعة البشر ونواميس الدنيا جعلتهم منازل وطبقات، ولكل طبقةٍ ساكنوها، فهل يا ترى هناك حكمة من ذلك؟ الحقيقة أن ذلك ليس لحكمة واحدة فقط، بل لحكم كثيرة ومعانٍ جليلة لا نستطيع حصرها، لكن سنكتفي بالقليل منها في هذا الجواب المختصر:

فالحكمة الأولى: أن الله جعل الناس منازل ليخدم بعضهم بعضًا، وليكمل بعضهم بعضًا، ولا تقوم الدنيا ولا تُعمّر إلا بهذا الاختلاف في الوظائف والمقامات قال تعالى: {لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً}.

الحكمة الثانية: ليتبين حقيقة التواضع وليظهر معادن الناس، وأصلهم فالمتواضع يتواضع مع الجميع حتى وإن كانوا أقل منه منزلة وجاهًا ومقامًا، وهذا المعنى نجده متجسدًا في أخلاق رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- فقد قال عن نفسه (إنَّما أنا عبدٌ آكُلُ كما يأكُلُ العبدُ وأفعل كما يفعلُ العبدُ)، وكان متواضعًا في مجلسه عليه الصلاة والسلام، حتى كان مَن يدخل عليه وهو بين أصحابه يسأل أين محمد؟

لم يتصدر المجلس ولم تكن له هيئة متميزة عن صحابته الكرام تواضعًا وخلقًا رفيعًا، وهو مَن هو عليه صلوات ربي وتسليماته.

ثالثًا: نعلم مقامات الناس لننزلهم منازلهم اللائقة بهم، وهذا من فقه التعامل معهم لكسب قلوبهم ألا ترى موقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفقهه حين قال: (إن أبا سفيان رجل يحب الفخر) فتعامل معه بمثل هذا حتى يُؤلف قلبه للدخول في الدين، فقال حين فتح مكة (من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن) فكان للرقي في التعامل وإنزال الناس منازلهم الأثر الكبير في إسلام أبي سفيان.

رابعًا: ليعطف الكبير على الصغير وليعطي الغني الفقير، وليتراحم الناس فيما بينهم، قال صلى الله عليه وسلم: (ليس منَّا مَنْ لم يُجِلَّ كبيرَنا، ويرحمْ صغيرَنا! ويَعْرِفْ لعالِمِنا حقَّهُ).

خامسًا: ليعلم الجميع أن كل فرد من أفراد المجتمع مهما كانت مكانته وقلَّ مقامه إلا أنه يستطيع أن ينفع الأمة بما مَنَّ الله به عليه من إمكانات، ألا ترى النملة الضعيفة التي قص الله ذكرها في القرآن كيف كانت سببًا في نجاة قومها من الهَلكة رغم كونها لم تكن رائدة ولا قائدة! فلا تكن نملة أكثر نفعًا منك أيها الإنسان.

سادسًا: لنحيي معاني الإخوة الإيمانية القائمة على أساس الدين والعقيدة التي لا تلتفت للقبائل ولا الأجناس ولا الأعراق ولا العنصريات، بل رفضتها بالكلية، حتى سمّاها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- جاهليةً، وقال عنها (دعوها فإنها منتنة)، نعم منتنة قبيحة.

فكل مسلم مهما كانت منزلته ومهما كانت طبقته فهو أخي، فالمؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم.

السابعة: وإن كان الناس في الدنيا مقامات فهم كذلك في الآخرة مقامات، فمهنم أصحاب الجنة ومنهم أصحاب النار، بل أهل الجنة درجات، وأهل النار دركات، فينبغي للمسلم أن يشغل باله بمقامه ودرجته عند الله أعظم من شغله بمقامه ودرجته عند الناس، فإن مقامك عند الله خير وأبقى، ألا ترى أن الجنة مائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض، وإن أهل القرآن في أعلى درجاتها، وأكرم الخلق عند الله أتقاهم له، قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} إذن ينبغي أن يهتم المسلم بمقامه عند الله، ويسعى دائمًا أن يجعل أيامه ولياليه تقربه إلى الله زلفى، فإن كل يوم يأذن الله لك فيه بالحياة فرصة لتعلي مقامك عنده -سبحانه وتعالى- بالأعمال الصالحة والطاعات والقربات.

فاللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربنا إلى حبك..