نفحات فلنغتنمها

شهر الغِراس لرمضان

جهاد الصاوي
  • 547

يقول الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}.. ها هي نسمات أعظم موسم في العام بدأت تهل علينا، موسم الطاعة شهر رمضان، ويسبقانه شعبان ورجب.

أتى "رجب".. بدأت أيام الخير وأيام النفحات؛ بدأ شهر الله الحرام الذي أُمرنا فيه بعبادة جليلة وهي عدم ظلم أنفسنا، فقد حرّم المولى الظلم حتى ظلم العبد لنفسه، نهي عن الظلم في كل شيء حتى أنه نهى أن ينتعل الرجل نعلًا واحدًا في قدمين، فظلمُ النفس شيء عظيم عند الله.

 أتى "رجب" رغم كل الظروف التي تحيط بنا، رغم كل الأحداث لم يتوقف عن المجيء، لأن الحقيقة أن مرور الزمن وجريان الأيام ومُضي العمر لا يتوقف ولن يتوقف، كل يوم يأتي ويمر رغم أُنوفنا، ورغم أن الظروف لا تسير بشكل طبيعي كما تعودناها من بعد الجائحة التي يمر بها العالم بأسره ألا وهي جائحة "كورونا".

رجب هلَّ علينا ويذكرنا أنه مرَّ عامٌ، فمتى سنفيق من فتورنا، وننتبه من غفلتنا ونُيقن أن مرور الزمن لا يقف، وأن العمر يمضي ونحن حقًا في غفلة من هذا؟

نريد أن نعيش رجب هذا العام بقلب يقظ، ولا نكون مُضيّعين للفرصة، وأن ننوي أن نطهر أنفسنا وقلوبنا، وأن يكون رجب وشعبان ورمضان هذا العام مختلفين عن عامنا السابق، وألا نشتكي الفتور والكسل؛ لأن العمر يمضي ونحن لا نشعر، ولأننا لم نُخلق لنقول لأنفسنا "نحن مقصرون!".

بل خلقنا لنجتهد ونَبذُل، فليس من الممكن أن يدخل رجل الفردوس الأعلى من الجنة من غير جهد أو بذل (إلا برحمة من الله)، فالراحة لا تُدرك بالراحة، والنعيم لا يُدرك بالنعيم.

 رجب أيضًا شهر تضاعف فيه الحسنات، فلنبدأ من الآن في تهيئة قلوبنا وأن نتوب إلى الله من ظلم النفس؛ نتوب من كل مرة ظلمنا فيها أنفسنا وتكاسلنا عن صلاة الفجر، لنتوب من كل مرة قطعنا فيها أرحامنا، لنتوب من كل مرة نظرنا فيها إلى شيء لا يرضي الله ونحن نعلم ذلك، أو قُلنا بألسنتنا أشياءً لا ترضي الله، توبي يا أختي من ظلمكِ لنفسكِ بلبسكِ لباسًا لا يوافق الشرع، فكل هذا ظلم لأنفسنا.

 ويجب علينا أن نعتاد على الطاعات، ونتدرب عليها من صلاة الفجر وإدراك تكبيرة الإحرام، وقيام الليل، وصلاة الضحى، والاستغفار والتحميد والتهليل والتكبير ومصادقة القرآن، فشهر رجب هو بداية الانطلاقة لشهر الحصاد فالعمر يمضي، وكما قال عليٌّ -رضي الله عنه-: "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"، اسأل نفسك: أين هم أحبابنا الذين فارقوا الحياة؟ وإذا تمنوا شيئًا بعد موتهم من هذه الحياة الدنيا ماذا سيتمنون؟

هل سيتمنون ركوب سيارة؟ أم أكل طعام فاخر في مكان فاخر؟، أم يتمنون الضحك والمرح؟.. لا والله بل يتمنون {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} ولكن هيهات!

 هم نادمون على الوقت الذي نُضيعه الآن أنا وأنت، نادمون على الساعات التي نضيعها نحن اليوم على السوشيال ميديا والتصفح الدائم الناشئ عن الفراغ القاتل، نادمون على الوقت الذي نقضيه أنا وأنت الآن في الشكوى لبعضنا البعض.. ألا نتعظ قبل فوات الأوان؟

لنهيئ قلوبنا في شهر الغِراس لرمضان، سائلين الله أن يرزقنا حسن التوبة والإقبال عليه وأن يبلغنا رمضان ويتقبل منا صالح الأعمال.