• الرئيسية
  • الأخبار
  • بيان من "الدعوة السلفية" تعليقًا على بيان "مفتي إثيوبيا" في ردِّه على "شيخ الأزهر"

بيان من "الدعوة السلفية" تعليقًا على بيان "مفتي إثيوبيا" في ردِّه على "شيخ الأزهر"

  • 152



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

ففي إطار ترتيبات إثيوبيا لاستكمال ملء سدِّ النهضة دون الترتيب مع ‏مصر والسودان، وهما دولتان لهما ثِقَلٌ كبيرٌ في العالَم الإسلامي، ولكونها تتوقع تضامنًا إسلاميًّا كبيرًا معهما -وبالرغم مِن معاناة مسلمي إثيوبيا مِن الاضطهاد والتهميش-؛ قرر رئيس الوزراء الإثيوبي إنشاء المجلس الأعلى ‏للشئون الإسلامية، والذي يرأسه مفتي إثيوبيا: "الحاج عمر إدريس".

المجلس منذ إنشائه -برئاسة المفتي "الحاج عمر إدريس"- يتكلمون عن سدِّ النهضة، وكأن ملفَّ ‏السد قد أسنِد إليهم في حين أننا لا نجد منهم اهتمامًا بأحوال المسلمين المتدهورة في إثيوبيا!

‏وقد أصدر هذا المجلس مؤخرًا بيانًا نشرته وزارة الخارجية الإثيوبية تعقيبًا على بيان "‏شيخ الأزهر" الدكتور "أحمد الطيب" الذي دعا فيه الدول إلى مساندة حق مصر والسودان.

ومما جاء في البيان الإثيوبي: أن إثيوبيا هي بلد النجاشي العادل، وأنهم ما زالوا ‏ينشدون العدل؛ لا سيما في توزيع ماء النيل.

وقد أحسن الدكتور "عباس شومان" الرد عليه قائلًا: "نعم كان النجاشي الذي تعيشون ‏على أرضه عادلًا، ولكن حكومتكم ليس حكومة النجاشي، وهي ليست على سيرته".

ولكن الأشد خطرًا مِن هذا البيان هو: ما زعمه عدة مرات أن ما تنوي إثيوبيا فعله ‏تؤيَّده الشريعة الإسلامية! وأن مِن حقها في الشريعة الإسلامية أن تأخذ ما تريد مِن الماء ‏ثم ترسل الفائض بعد ذلك استنادًا إلى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الخصومة التي ‏كانت بين الزبير -رضي الله عنه- وجار له في أولوية نوبة الري: (اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ) (متفق عليه)، وهذا الطرح لا ينبغي أن يمر مرور الكرام، بل يجب الرد عليه وتفنيده؛ لا سيما ومصر ‏ما زالت في مرحلة الحلول السياسية، وحشد التأييد لعدالة مطالبها.

وسنناقش هذه الدعوى في النقاط الآتية:

أولًا: هذا الحكم وارد في العلاقة بين الأفراد في الدولة الإسلامية: 

وغني عن الذكر: أن حكم ‏التعاملات بين الأفراد يختلف عن حكمه بين الدول، ولو أن مفتي إثيوبيا أراد تطبيقه بين ‏دولتين مسلمتين لقلنا: إن هناك وجهًا للقياس، ولكن أن يطلب تطبيقه بين دولة مسلمة ‏وأخرى ليست مسلمة استنادًا إلى أن هذا هو حكم الشريعة الإسلامية، فهل تقبل ‏إثيوبيا أن نطالبها في كل نزاع إلى الشريعة الإسلامية؟!

مع أنه لو طبَّقنا حكم الشريعة  في هذه المسألة واعتبرناها وكأنها خصومة بين اثنين ‏من رعايا دولة مسلمة؛ لكانت النتيجة على خلاف ما ظن الحاج عمر إدريس تمامًا  -كما ‏سنبين في النقطة التالية-.

ثانيًا: يمكن إيجاز أحكام المياه العامة في الشريعة الإسلامية على النحو التالي:

‏1-‏ الأصل أن المياه العامة تكون مباحة لكلِّ مَن يريد أن يأخذ منها سقيًا لأرضه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْكَلَإِ، وَالْمَاءِ، وَالنَّارِ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).‏

‏2-‏ إذا كان ري أرضٍ ما يلزم منها سد الماء عن غيرها، فالأولوية لمَن هو أقرب إلى ‏منبع الماء يروي ثم يرسل الماء إلى مَن بعده؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في وقعة ‏تخاصم الزبير -رضي الله عنه- وجاره: (اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ)، وهو الحديث الذي استدل به مفتي إثيوبيا.

ومن الجدير بالذكر: أن بعض فقهاء المسلمين جعل الأولوية لمَن هو أقدم ‏استصلاحًا لأرضه، وللبعض تفاصيل آخر، ولكن كما ذكرنا: أن الحديث هنا يتعلق بمَن يروي أولًا مِن المجرى المشترك.

‏3-‏ وأما استصلاح أرضٍ جديدةٍ عن طريق ريها من ذات النهر، فجائز أيضًا ‏بشرط أن يكفي الماء لهذا التوسع؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ ‌سَبَقَ ‌إِلَى ‌مَا ‌لَمْ ‌يَسْبِقْ ‌إِلَيْهِ ‌مُسْلِمٌ ‌فَهُوَ ‌لَهُ) (رواه أبو داود والطبراني، وحسنه الحافظ ابن حجر)، فالذين سبقوا إلى استصلاح أرضهم وريها ‏من هذا الماء، استقر حقهم فيه؛ فلا يجوز أن ينازعهم فيه أحدٌ. 

ويشترط أيضًا: ألا يكون هناك ضرر مِن أي نوع؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني)، 

قال النووي -رحمه الله-: "وَلَوْ أَرَادَ رَجُلٌ إِحْيَاءَ مَوَاتٍ وَسَقْيَهُ مِنْ هَذَا النَّهْرِ، نُظِرَ، إِنْ ضَيَّقَ عَلَى ‏السَّابِقَيْنِ، مُنِعَ، لِأَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أَرْضَهُمْ بِمَرَافِقِهَا، وَالْمَاءُ مِنْ أَعْظَمِ مَرَافِقِهَا، ‏وَإِلَّا، فَلَا مَنْعَ؟" (روضة الطالبين، 5/ 306).  

وجاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ومجلة الأحكام كانت القانون ‏المدني في الدولة العثمانية، وهو تقنين للشريعة الإسلامية على المذهب الحنفي (الْمَادَّةُ 1238) الْأَنْهَارُ الْعَامَّةُ الْغَيْرُ الْمَمْلُوكَةِ): "الْأَنْهَارُ الْعَامَّةُ غَيْرُ الْمَمْلُوكَةِ، وَهِيَ: الْأَنْهَارُ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ فِي مُقَاسِمٍ أَيْ فِي ‏مَجَارِي مِلْكِ جَمَاعَةٍ لَيْسَتْ مِلْكَ أَحَدٍ كَالْبِحَارِ وَالْبُحَيْرَاتِ، بَلْ هِيَ مُبَاحَةٌ ‏فَلِذَلِكَ لِكُلٍّ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مُضِرًّا لِلْعَامَّةِ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي ‏الْمَادَّةِ (1254)؛ وَذَلِكَ أَنَّ لَهُ فَتْحَ جَدْوَلٍ، وَأَنْ يُجْرِيَ مِنْهُ الْمَاءَ إلَى أَرْضِهِ، وَأَنْ ‏يَسْقِيَ أَرْضَهُ وَأَنْ يُنْشِئَ طَاحُونًا، وَأَنْ يَتَّخِذَ سَانِيَةً وَمَشْرَعَةً َإمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ ‏مُضِرًّا بِالْعَامَّةِ بِأَنْ تَفِيضَ الْمِيَاهُ، وَتُفْسِدَ حُقُوقَ النَّاسِ أَوْ تَمْنَعَ سَيْرَ السُّفُنِ ‏فَلِكُلِّ النَّاسِ حَقُّ مَنْعِهِ"‏.

ثالثًا: وبناءً على ما تقدَّم: 

نتساءل: ما الذي تريده إثيوبيا من هذا السدِّ؟! 

إن كانت كهرباء فقط كما وعدت مرارًا؛ فلماذا إذًا يتحدث الحاج عمر إدريس عن قسمة المياه؟! 

وإن كانت تريده للري واستصلاح الأراضي، فكان الواجب على مفتي إثيوبيا أن ينصح حكومة بلاده بالوفاء بعهودها بدلًا من ‏الاستدلال بالشريعة الإسلامية ليبرر لبلاده العدوان على أكبر بلاد المسلمين؟

وطالما طلب حكم الشريعة في هذا، فنقول: بناءً على أن ما تريده إثيوبيا هو استصلاح ‏أراضٍ جديدةٍ عندها، على حساب مياه تُروى بها أراضٍ مستصلحة بالفعل، وتمثِّل مصدر ‏الدخل لملايين الأسر وإنتاجها يوفِّر الغذاء لملايين الأسر كذلك في مصر والسودان؛ فهذا الفعل لا يجوز؛ للضرر الواقع على مَن سبق إلى استصلاح أرضه -كما سبق بيانه-.

ومما يضاعف من حجم هذا الضرر: أن إثيوبيا لا تستطيع أن تستعمل هذا السد لري ‏الأرض حتى ترفع مستوى الماء لأقصى ارتفاع للسد حاجزًا خلفه 74 مليار متر ‏مكعب من المياه في سنواتٍ تتحمل مصر فيها نقصًا في المياه الواردة لها ثم تبدأ بعدها‏ تقاسم مصر فيما يرد مِن ماء لتستصلح أرضًا جديدة عندها، وهذا ما يؤكِّد حرمة هذا الإضرار البالغ بالغير.

رابعًا: ومع ما بيناه فيجب أن يكون معلومًا: 

أن الذي يحكم العلاقة بين الدول: المعاهدات دولية ‏والقانون الدولي، والاتفاقية الرئيسية التي تحكم العلاقة بين مصر والسودان من جهة إثيوبيا ‏هي: اتفاقية 1902، وكانت مصر والسودان دولة واحدة واقعة تحت الاحتلال ‏البريطاني، وكان هناك نزاع على الحدود بين إثيوبيا وبين الإقليم الجنوبي من تلك الدولة ‏‏(السودان)، وقد عقدت بريطانيا الاتفاقية لصالح نفسها إذ جاملت بلاد الحبشة لزيادة نفوذها فيها، ‏وتنازلت عن إقليم شنقول السوداني لإثيوبيا، وكنوعٍ مِن ذَر الرماد في الأعين اشترطت ‏على إثيوبيا شروطًا تتعلق بحماية النيل كانت في ذلك الوقت تحصيل حاصل؛ فإثيوبيا ‏كانت -وما زالت- تعتمد على مياه الأمطار، وأرض النيل الأزق صخرية صلبة، ومرتفعة ‏عن مستوى سطح الماء، فكانت استفادة إثيوبيا منها غير واردة.

ومع هذا نَصَّت الاتفاقية في مادتها الثانية على: ‏

‏"تعهد (الإمبراطور منليك الثاني) قبل حكومة صاحبة الجلالة البريطانية، بعدم تشييد، أو ‏السماح بتشييد أي عمل على النيل الأزرق وبحيرة تانا، أو نهر السوباط، يكون من شأنه ‏منع جريان المياه إلى النيل إلا بالاتفاق مع حكومة جلالة الملكة البريطانية وحكومة ‏مصر بالسودان".

كما نَصَّت في مادتها الرابعة على التزام إثيوبيا برد الأرض التي منحت لها بموجب هذه ‏المعاهدة إذا أخلَّت بشروطها، وفي ضوء هذه الاتفاقية وعندما تم انفصال السودان عن مصر عقدت الدولتان ‏اتفاقية تقاسم المياه بينهما.

إذًا انتفعت إثيوبيا عمليًّا طوال هذه الفترة -وما زالت- بأراضٍ ضُمَّت إليها، والآن بعد ‏أن أصبح في مقدورها بناء سد ورفع الماء إلى مستوى الأرض تريد أن تنسحب من ‏تعهدها مع استمرار انتفاعها بما حصلت عليه من أرض.

خامسًا: وأما مسألة أن القانون الدولي يلزم بالتقسيم المنصف للمياه في الأنهار الدولية: 

فيجب أن يُعلمَ: أن القانون الدولي يأخذ بعين الاعتبار أمرين:

1- الاتفاقيات الدولية؛ فهي واجبة التقديم على غيرها، ومن ذلك: اتفاقية 1902م.

‏2- الأوضاع المستقرة تاريخيًّا.

وهي أيضًا قاعدة من قواعد الفقه الإسلامي عبَّر عنها الفقهاء بقولهم: "القديم يُترك ‏على قدمه"، ويعنون بها: أن الأمور التي استقرت في قسمة المنافع العامة والمشتركة لا يجوز نقضها ‏ما لم يثبت صاحبها النزاع فيها منذ تاريخ حدوثها؛ لأن هذا الاستقرار لا يتم إلا بإذنٍ ‏أو بتبادل منفعة، أو -على الأقل- عدم منازعة، ومِن ثَمَّ لا يحق لأحدٍ أن  يطالب بإعادة ‏الاتفاق، وكأننا  ننشئ وضعًا جديدًا. 

على أن القانون الدولي عندما تكلم على التوزيع العادل: ضمَّ كل مياه حوض النهر مما ‏يجرى فيه أو في المياه الجوفية أو الأمطار، ولو دخل هذا كله ووزع توزيعًا عادلًا ‏فسيكون في صالح زيادة حصة مصر حتى لو أهملنا الوضع التاريخي، واتفاقية 1902م؛ ذلك لأن  التوزيع العادل المذكور في القانون الدولي يكون بحصص الأرض المستصلحة ‏بالقعل في كل بلد (لا التي ستستصلح). 

ومن هنا يتضح: أن موقف إثيوبيا ضعيف من جهة القانون الدولي، وأنه اشد ضعفًا من ‏جهة الشريعة الإسلامية.‏

ونسأل الله -عز وجل- أن يحفظ مصر وأزهرها ونيلها، وكلَّ مَن يعمل على رفعتها، وأن يجعلها دائمًا ذخرًا للأمة العربية والإسلامية.

الدعوة السلفية بمصر

الأحد 20 يونيو 2021م

9 ذي القعدة 1442هـ