حتى يأتيك اليقين

خير العبادة أدومها

نهى عزت

  • 476

منذ أيام قلائل ودعنا شهر الصيام والقيام والقرآن والعتق من النيران، وأهلّ علينا شهر شوال بنفحاته مبتدأً بالعيد المبارك هدية رب العباد لمن صام وصلى وقام محتسبًا لله كل أعماله الصالحة ونواياه الطيبة، ومن رحمة الله بنا -نحن المسلمون- أننا غير مرتبطين بوقت واحد للعبادة والطاعة والتوبة والإقلاع عن الذنوب والمعاصي وتصفية النفس واللجوء إلى الله، فكل شهور العام بل كل أسبوع وكل يوم هناك نفحات وعطايا من الوهاب.

فمن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله، مصداقًا لحديث أبي أيوب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر".

والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهن، فعن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "الصلاة الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر".

وإن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم إلا أعطاه الله ما سأل، فعَن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: فِيه سَاعَةٌ لا يُوَافِقها عَبْدٌ مُسلِمٌ، وَهُو قَائِمٌ يُصَلِّي يسأَلُ اللَّه شَيْئًا، إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاه.

وفي كل ليلة ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ليغفر ويتوب ويستجيب لعباده القائمين، هذا كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو القائل عليه الصلاة والسلام: "ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى ينفجر الفجر".


كل هذه عطايا الله طوال العام، فمن انتهز كل هذه الفرص فاز وربح، ومن قصر وسوّف وحضرته التوبة والإنابة في وقت لم يقنط فباب الله مفتوح دائمًا للعبادة والتوبة.

أما عن رمضان وما أنعم الله علينا فيه من كثرة العبادات، وملازمة الطاعات فحريٌ على كل عاقل لبيب ألا ينقض غزله الذي عقده ولا يجعل عباداته فيه هباءً منثورًا، فقد كان شهرًا من الملازمة والتدريب، وترفعت فيه النفس الطائعة عن كل الدنايا والشهوات، فوجب علينا الاستمرارية وعدم الانقطاع، ولا نجعل عباداتنا مرتبطة بمواسم فقط فرب رمضان رب كل الشهور، فلنواصل ورد القرآن، وقيام ليل ولو بركعتين فخيرُ العبادة أدومها وإن قل، أما عن قول "اللهم إني صائم" لمن سابه أحد أو قاتله فلنجعلها شعار حياتنا عن كل المعاصي والذنوب، وتكون عونًا على حفظ الأخلاق والصبر على الأذى والمنغصات.

ولا ينبغي بحال من الأحوال أن نجعل حياتنا بعد رمضان انتكاسة لما قدمناه وجاهدنا فيه حتى نحصل على مرضاة الله.

وكما قال أهل العلم: إن من علامة قبول طاعة الصيام والقيام في شهر رمضان أن تكون حال العبد بعد رمضان حال سكينةٍ ووقار وشكرٍ لله تبارك وتعالى وإحسانٍ في الإقبال على الله عز وجل، فإذا كان العبد كذلك فإن ذلك من أمارات القبول وعلامات الخيرية.

ولا بد أن يقف كل منا مع نفسه ينوي أن تكون حياته بعد رمضان كما كان في رمضان، قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} فالمراد استمرار العبادة والتلبس بالعبودية مدة حياة العبد كلها لا بانتهاء وقت معين، سواء رمضان أو أي موسم من مواسم الخيرات والطاعات، كما قال العبد الصالح: وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيًا، فالله كريم مجيب واسع العطايا في كل وقت وطالما حياتنا لم تنتهي، فعباداتنا لم تنته بعد.