ظلام دامس يلف بغداد.. وغضب شعبي في المحافظات الجنوبية

  • 26

ظلام دامس يلف بغداد

غضب شعبي في المحافظات الجنوبية.. وفِرق مجهولة تقود عمليات تخريب واسعة لشبكات وأبراج الكهرباء 

أصابع الاتهام تتوجه لميليشيات إيران لقطع الطريق على حكومة الكاظمي 

إهدار مليارات الدولارات في ملف تطوير القطاع بسبب حيتان الفساد 


تقرير- محمد عبادي 

فجرت أزمة انقطاع التيار الكهربائي المتكررة في العراق الغضب الشعبي في عدد من المحافظات الجنوبية، وخرج العراقيون في مظاهرات احتجاجية للمطالبة بتحسين إمدادات الطاقة الكهربائية التي تشهد انخفاضًا كبيرًا في ظل ارتفاع قياسي لدرجات الحرارة في البلاد يصل إلى 50 درجة مئوية.

وعلى إثر الاحتجاجات المتصاعدة في ظل الأزمة المتفاقمة، قدّم وزير الكهرباء استقالته لرئيس الحكومة؛ معللًا الأمر بصعوبة الحل وسط تفاقم الأزمة بتصاعد الاستهداف لأبراج الطاقة الكهربائية، وارتفاع درجات الحرارة، وانحسار كمية الغاز الإيراني المستورد لتشغيل محطات الكهرباء.

وخلال نحو شهر، شهدت البلاد وقائع تفجير ما يقرب من 34 تفجيرًا لأبراج نقل الطاقة الواقعة ضمن المناطق الشمالية من البلاد. وتبلغ الطاقة الإنتاجية من الطاقة حسب وثائق رسمية من وزارة الكهرباء، نحو 18 ألف ميجاوات، في حين تبلغ احتياجات البلاد أكثر من 28 ألف ميجاوات.

وتتضارب التصريحات بشأن حجم الأموال التي أنفقتها الحكومات العراقية على منظومة الطاقة الكهربائية بعد عام 2003، لكن تصريحات أعضاء في لجنتي الطاقة والنزاهة النيابيتين تشير إلى حصر قيمة تلك المبالغ بين 60-80 مليار دولار أمريكي.

حلول مؤقتة

من جهته، قال د. محمد عاصم شنشل، الخبير الأمني العراقي، إنّ أزمة الكهرباء مستمرة في البلاد منذ عام 2003 أي ما يقارب 18 عامًا، من دون حلول حقيقة، لافتًا إلى استمرار الحلول الترقيعية التي لا تقدم جديدًا غير إهدار مليارات أخرى كالتي يتم إهدارها في سياق حل الأزمة المستعصيّة.

حرق الغاز العراقي

وكشف شنشل أن الحكومات العراقية المتعاقبة تعتمد في توليد الطاقة الكهربائية على استيراد الطاقة من إيران، هذا غير مئات الملايين من  الدولارات التي تُدفع سنويّا إلى إيران من أجل استيراد الغاز لتشغيل محطات الطاقة، منوهًا إلى حرق السلطات العراقية ما يقارب من 3 ملايين دولار يوميًا وهي حصيلة عمليات حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط العراقي، بحجة عدم توافر الإمكانات للاستفادة منه، ومن ثمّ يتم حرقه واستيراد الغاز من إيران.

استهداف الأبراج

عقب تصاعد عمليات السطو المسلح وتفجير أبراج الكهرباء في البلاد، دعا ذلك رئيس الوزراء إلى التحرك العاجل، وعقد اجتماع للمجلس الوزاري للأمن الوطني للعمل على وضع خطط حماية لأبراج الكهرباء البالغ عددها 46 ألف برج في عموم البلاد، استهدف منها 35 برجًا خلال العام الحالي، تلت الاجتماع زيارة لمستشار الأمن الوطني لمحافظة ديالى لتفعيل تلك الخطط والشروع فيها.

ولكن مع ذلك تم استهداف عدد من الأبراج في نينوى وصلاح الدين مجددًا، وترجح جهات نيابية وسياسية تحمل شخصيات وجهات عليا المسؤولية لتحقيق مكاسب مالية عبر استبدال وصيانة تلك الأبراج، التي تكلف عملية إصلاح المتضرر منها 30 مليون دينار عراقي (20 ألف دولار)، حسب الحكومة، وكذلك وقود المولدات الأهلية التي تمثل بديلًا في بعض الأوقات عن إمدادات الطاقة الوطنية، في كل محافظات البلاد.

تفجير الأبراج.. من الفاعل؟

وتساءل عبد الكريم البيّاتي، الخبير الأمني العراقي، عن الجهة التي تقف خلف تفجير أبراج الكهرباء، ولماذا في هذا الوقت تحديدا؟ مؤكدا أن هناك جهات في البلاد معروفة الولاء لا تريد للعراق التقدم في أي خطوة تجاه محيطها العربي أو  دول الجوار السنيّة، لافتًا إلى أن تدمير أبراج الكهرباء، وقطع إيران لتصدير الكهرباء والغاز المشغل للمحطات العراقية في هذا الوقت يهدف إلى تفجير أزمة كبرى، مع خروج الأمر عن السيطرة من يد الحكومة العراقية برئاسة مصطفى الكاظمي.

وشدد البيّاتي على ضرورة الكشف السريع عن شبكات التخريب والتفجير التي تضرب البنية التحتية العراقية في مقتل، موضحًا أنّ لصق التهمة بتنظيم "داعش" الإرهابي لن يقدم حلًا في ظل الأوضاع المتشابكة الآن، قائلًا: على جميع العقلاء الذين يتمنون خيرًا لهذه البلاد أن يكشفوا مخططات التدمير التي تضرب شبكة الكهرباء، التي لن تقف عند هذا الحد.

فساد أم خيانة؟

يواصل د. محمد عاصم شنشل حديثه لـ "الفتح"، أنّ الأموال التي أهدرت نتيجة الإنفاق على الطاقة الكهربائية خلال السنوات الماضية بلغت نحو 70 مليار دولار، تفنن حيتان العقود والفساد في البلاد في سرقتها عبر توقيع عقود بأسعار خيالية ومضاعفة عن السعر الحقيقي، مؤكدًا أنّ هذه العصابات تستمد قوة نفوذها من داعميها من الكتل والأحزاب الطائفية داخل البرلمان العراقي.

ولفت الخبير الأمني العراقي إلى أنّ رغم كل هذا الفساد المعلوم للقاصي والداني، لم يتعرض مسؤول عراقي للمحاسبة أو تم كشف ملابسات عقود الفساد وحيتان جمع الثروات على حساب الملايين من أبناء الشعب، مؤكدًا أنّ ما يجري يرقى لكونه خيانة وأبعد من مجرد تهمة فساد عابرة.

أهداف متعددة

بدوره، قال د. فراس إلياس، الخبير السياسي العراقي، إنّ عمليات التفجير الأخيرة التي طالت أبراج نقل الطاقة الكهربائية، جاءت مترافقة مع إيقاف إيران تصدير الطاقة الكهربائية إلى العراق، وهذا يؤكد أن هناك عدة أهداف تقف خلف هذه العمليات منها فرض مزيد من الضغوط على حكومة مصطفى الكاظمي للتراجع عن التفاهمات الاقتصادية، وتحديدًا في مجال استيراد الطاقة من الأردن ومصر، أو حتى للتراجع عن خطوة مد أبراج لنقل الطاقة الكهربائية من دول الخليج، خوفًا من أن يؤدي نجاح الكاظمي في هذه المساعي، إلى الاستغناء عن إمدادات الطاقة الإيرانية؛ وهو ما لا تريده إيران وحلفاؤها.

وأشار إلياس إلى أن الحوادث الأخيرة تؤكد أن هناك بعدًا سياسيًا يقف خلفها، ألا وهو التأثير على الحظوظ السياسية للكاظمي الذي بدأ يجد نفسه في خضم صراع سياسي بين تيار (القانون والفتح) الذي يطمح للإطاحة به، وتيار (سائرون والحكمة) وبعض القوى السنية والكردية التي تطمح إلى منحه ولاية ثانية؛ ومن ثم فإن الربط بين التفجيرات الأخيرة والاستعداد للانتخابات المبكرة، يؤشر إلى أن الواقع العراقي سيكون مهيأً في المستقبل القريب لتوظيف المزيد من الأزمات من أجل التأثير على المشهد الانتخابي المقبل.

تحويل الغضب الشعبي

وتابع الخبير السياسي العراقي أنّ المؤشر الثالث والأهم، هو تحويل النقمة الشعبية من الملف الأمني إلى الملف الخدمي؛ إذ شهد الواقع العراقي العديد من التعقيدات الأمنية خلال الفترة الماضية، أسهمت به الفصائل المسلحة القريبة من إيران بشكل أو بآخر، عبر استمرار عمليات الهجوم التي تطال المقرات التي توجد فيها القوات الأمريكية، إلى جانب ردود الفعل الأمريكية أيضًا؛ ومن ثم فإن الأطراف السياسية الداعمة لهذه الفصائل بحاجة لأزمات تنفس عنها بعض الشيء، عبر إيقاع الخصوم بأزمات جديدة، في حين تستعيد هي زمام المبادرة عبر تحشيد الشارع انتخابيًا، فقد بدأت العديد من المدن العراقية في الجنوب تشهد احتجاجات واسعة على انقطاع الكهرباء، وسط ارتفاع درجات الحرارة، وتحديدًا في مدن ميسان والديوانية.

يذكر أن وزارة الكهرباء حددت حاجة البلاد الفعلية من الكهرباء بين 27-30 ألف ميجاوات، في حين تبلغ الطاقة الإنتاجية في العراق 18-19 ألف ميجاوات بعد كل تلك السنوات والعقود والمليارات التي صرفت.