حياة طيبة

بالإيمان واليقين.. تتحقق الحياة الطيبة

نهى عزت

  • 8

من منّا لا يحلم بحياة هنيئة وعيش رغد ومتاع دائم، وكنف تطيب به الحياة، إنه لا شك أمل كل من يحيا على هذه الأرض، وهذا حلم سوي، وحق شرعي، لكن للأسف حياتنا الدنيا التي نحياها جبلت على التحول وعدم الثبوت والاستقرار.

فتارة يحيا الفرد أوقات كلها فرح وسعادة وتحقيق آمال وأحلام، وتكثر طموحاته ويعيش كأنه ملك زمانه، وتارة تتخبط الأمور والأحوال فتتبدل السعادة وينكسر الحلم، ويضيع الطموح، وهكذا الدنيا..

والناس في كل زمان لهم أفهام حول هذه الحياة الطيبة وهم تبعًا لذلك أصناف فمنهم من يرى الحياة الطيبة في كثرة المال وسعة الرزق ومنهم من يراها في الولد أو في المنصب أو في الجاه.

لكن الله تعالى –ومن أصدق من الله حديثًا– قد حدد لنا مفهوم الحياة الطيبة وسبيلها في كتابه الكريم فقال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وتحقيق هذه الحياة الطيبة لابد أن يتحقق بأمور منها: أولًا: الإيمان واليقين وحسن التوكل على الله.

قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}

ثانيًا: الرضا بما قسمه الله وقدره؛ قال تعالى: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}، ولكن من المعلوم والمشاهد أن الإنسان يمر بتقلبات في حياته، فهل هذا يتنافى مع أن يحيا حياة طيبة؟

أرى أن المسلم الفطن الذي يعي لآيات الله الكونية، ويتدبر في مراد الله من هذا التحول أن يتخذ كل ضيق وانفراجة سلاح أمل يحيا به، فلا تزعزعه منحة، ولا يتغير ويصيبه الغرور بمنحه، بل يكون في كل حال من أحواله من الصابرين الشاكرين.

فإذا جاءت المحنة وحاوطته الهموم والمصائب تمسك بربه وازداد يقينه فيه، وحسن ظنه به وتمثل لقوله تعالى: {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، وقوله تعالى في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي"، ويتقوى بالله ويشتد صلبه حتى يخرج منها أقوى مما كان لا خائر العزم ضعيف الهمة تتخبطه الحياة وتهوى به في غياباتها.

وفي الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم-: (من جعل الهموم همًّا واحدًا همَّ آخرته كفاه الله همَّ دنياه، ومن تشعَّبت به الهمومُ في أحوال الدنيا لم يُبال الله في أيِّ أوديتِه هلك)

وإذا جاء الفرج وانكشفت الغمة وأعطاه الله سؤله وأرضاه، وجبر بخاطره حمد ربه وشكر وتذكر قول ربه: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ..} فكان الحمد والشكر لله سبيلًا للحفاظ على نعمائه، والقرب من الله، وفعل الخير من عبادات تامة، ومعاملات حسنة، وذكر الله تعالى الدائم تأدية لحق الله عليه في الشدة والرخاء.

وبهذا الاستثمار النافع الطيب يحيا الإنسان حياة هنية طيبة مهما كان حاله، ومهما مرت عليه منغصات وأصابته فتن مر منها بسلام، إلى أن يبدل الله حاله لأحسن حال.

وإن تأخر الفرج قليلًا لم يجزع ولم يُفتن في دينه ولا يرتد على عقبيه خسر الدنيا والآخرة بل يزيد يقينه في الله أن أمره كله له خير إن أصابه ضراء صبر فكان خيرًا له -جزاء صبره جنات النعيم- وإن أصابه خير شكر فكان خيرًا له في دنياه وآخرته.

فالمسلم يعلم أن رفع الدرجات وتكفير السيئات وبلوغ الغايات لا يمكن أن ينال إلا على جسر من الابتلاءات والامتحانات.

والموفقُ السعيد من نظر في هذه الحياة وعرف حقها وقدرها فهي والله حياةُ طيبة طالما حاز فيها المرء قلبًا صالحًا نقيًا، ولسانًا طيبًا يتقول به الخير، وجوارح يسخرها في كل ما ينفع به نفسه وغيره في الدنيا، حتى يحيا حياة طيبة في الدارين.