مودة ورحمة

لتسكنوا إليها

نهى عزت

  • 21

"مودة ورحمة"

قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} آية ارتبطت في أذهان الكثيرين بليلة العرس عندما يأتي المأذون يُهدي الزوجين في بداية حياتهما ببعض النصائح والإرشادات التي تنفعهما في حياتهما الجديدة، بحيث يكون كلا الزوجين لبعضهما سكنًا تنشأ بينهما المودة والرحمة، وبينهما رباط وثيق قيده الله بعقد ينعقد به حياتهما الزوجية السعيدة، ويتحقق بها أهم غايات الزواج وهي سُكنى الزوج إلى زوجته، والزوجة إلى زوجها.

ومما لاشك فيه أن ما يطرأ بعد كل هذا العهد العظيم والود الذي ثبتت أركانه بكتاب الله وسنة نبيه من شجار وخلاف وصراعات يدل على خلل عظيم قد حدث يجب استدراكه والوقوف على أسبابه وإرجاع كل شيء إلى نصابه حتى تعود الحياة إلى طبيعتها الصافية الطيبة التي أرادها الله ودعا لها نبيه.

وللأسف الشديد أنه عندما يقع الخلاف عند الكثير -إلا ما رحم ربي- يبدأ الطرفان في تبادل الاتهامات وتنكيل أشد الصفعات، وكأنهما في ساحة حرب مترقبين من يعلن فوزه ويستحق الانتصار، وفي حقيقة الأمر أن هذه المعركة تُخرج كلًا منهما خاسرًا نفسه أولًا ثم قاضيًا على هذه العلاقة العظيمة التي كان من أهم سماتها تبادل المودة والرحمة.

ولو رجعنا إلى الوراء قليلًا وحاولنا تدارك الأمر وأرجعنا كل حال إلى نصابه السليم، فاعترفت الزوجة بفضل زوجها وقوامته وأسدت إليه حقوقه بلا تعالٍ أو كبر بسلامة نفس وطيب خاطر، وأيضًا أقام الزوج الكريم حق زوجته الكريمة بما جاء به الشرع ونصح به الصادق الأمين لعادت الحياة إلى طبيعتها الصافية، واستعاد البيت قوته واستقراره بهذه القاعدة العظيمة "وجعل بينكم مودة ورحمة".

أما إن استمر كل منهم في إثبات ما له ونسي ما عليه، واستمعوا إلى أصحاب القلوب البائسة الداعية إلى خراب البيوت وانتزاع صفة الرحمة منها، مبدلين تعاليم ربهم بما يتم نقاشه في جلساتهم العقيمة، يُبدي كل من هب ودب نصحه العاري من الأخلاق القويمة، بل إن أسوء ما حل على أمتنا الإسلامية هو الانفتاح غير المنضبط والتطلع إلى ما في يد الغير، حتى أصبحت النسوة وهن الأشد في هذا الأمر بكثرة كلامهن المفخخ بالوقيعة والتعالي في غير موضعه، والتباهي بما لا يملكن، وتصوير حياتهن حتى يصبحن وكأنهن يعشن في غرف بعضهن، فلم يعد هناك حياء ولا ستر، وفي المقابل زوج قصّر في حق ربه عليه، ولم يتق الله في نفسه متلبسًا بالمعادي منجرفًا للشهوات، ثم تخلى عن قوامته وترك الحبل على الغارب لأهل بيته يرتعن هنا وهناك، ويشربن من كأس بعضهن حتى أن إحداهن يصل بها الحال أن تتأفف من حالها لما تجده من حال صويحباتها وهي لا تعلم مكنونات كل بيت، ولكنها شهوة التقليد والمحاكاة التي نزعت الرحمة والقناعة من بيوت المسلمين إلا من رحم ربي، فأكرمهم بالحفاظ على بيوتهم، من الخراب الذي عشش وأصبح كالطوفان يلتهم منها السكينة والألفة والمودة.

وحتى لا نكون سوداويّن لا ننظر إلا بعين الذبابة ونفرد السلبيات ونعرضها ونخرجها من طياتها لمجرد الفضفضة وتسليط الضوء على الظلمات الحادثة، نضيء جانب كلامنا أن هناك نماذج مشرفة وما أكثرها أيضًا في حياتنا بفضل الله وكرمه ولطفه بعباده، فهناك الزوج القوام الذي يتقي الله في أهل بيته يعمل بكل جهده ليل نهار ساعيًا في الخيرات حتى يظلل على بيته بجناح الرحمة والعطف والكرم، تقابله زوجة طيعة كريمة تصون نفسها وبيته وماله وولده إن نظر إليها سرته وإن أمرها أطاعته وقبل كل هذا وذاك كل منهما يقدم على حياته بنية طيبة صالحة محتسبًا كل عمل وقول يصدر منه لله، حتى وإن مالت كفته قليلًا تحمّل وغض الطرف حتى تسير السفينة إلى شط النجاة موقنًا كلًا منهما أن حياتهما الباقية التي يعملان جميعًا لها هي في جنة الخلد داعين الله أن يجمعهما بآبائهما وذريتهما بها، فكانت هذه هي الوجهة الصالحة التي يستطيع كل منهما أن يتحمل من أجلها كل صعب وشاق متخطين جميع الأزمات يسكن كل منهما إلى الآخر متمسكين بهدية ربهم التي جعلها بينهما "مودة ورحمة".