اللسان... هذا الخطير

انتبهي ياحبيبة

  • 29
أرشيفية

ربما يمر الواحد من الناس على مجتمع من الرجال، فيجد جمعًا جالسًا ولكنهم صامتون، ولا تجد ذلك أبدًا في مجتمع نساء، فلابد من حديث يجري!، ولو كنَّ أغرابًا ستمتد أطراف الحديث لابد وتتشابك، فمن المشتهر عنّا كنساء أننا نكثر الكلام جدًا، هذا بالعموم بغض النظر عن حالات خاصة، حتى صار إذا تكلم الرجل وأطال شبَّهوه بالنساء، لذا أرانا  كنساء خاصة في حاجة دائمة لمراجعة هذا الحديث:

(وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على مَنَاخِرهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟)

فإنه لاشتهاره ومساسه بحياتنا كثيرًا ما يمر لفظه في البال أو تلمحه العين في صحيفة حين قراءة، ورغم تلك الخطورة نَعبُرُه في غير تركيز كعادتنا في تخطي الأشياء المألوفة، التي يعتادها المرء في حياته، يراها ولا يتفحصها، فالألفة مخدر، والاعتياد يعمي عيون الاعتبار، في حين أن في الحديث ما ينبه الحس ويوقظ الشعور لأعلى درجات الإحساس، فكلمة "هل يُكب الناس" جاءت لفظة "يُكب" قوية فيها طعم الانقلاب والمفاجأة والقوة.

أما "على مناخرهم" ففيها من الإهانة للفاعل ما فيها، فتلك الأنوف التي لا يقبل أحدنا أن يُخفضها له غيرُه -سبحانه وتعالى- أو يُخفضها شيء، حتى اشتُقَ منها معنى الترفع فصيغت الأنفة نسبةً للأنف، فيُكَب من أطلق لسانه على أنفه.

مشهد هوان وعنوان مذلة بلا شك  فعلى قدر السهولة التي كان اللسان يتحرك بها في الكلام الموجب للنار يكون هوانه وقذفه في النار مكبوبًا على أنفه، في إشارة واضحة إلى أن اللسان الذي أطلقته سبًا وقذفًا في أعراض الناس، وجرحًا لمشاعرهم، وإحراجًا لمكانتهم، وإعلانًا لسر أو هزءًا بأحد، أو رواية ما لا يحل إفشاؤه وبسطه، في الحقيقة هذا اللسان ربما لا يخفض أحدًا ولا يهين إلا صاحبه ولا يسيئ إلا لكرامة القائل.

فهو وإن كان اليوم حركة يسيرة في فم إحدانا، تُحرِّكه بلا كلفة، ويعمل بلا مؤونة، لكنه إهانة مؤجلة لصاحبته التي أرسلته بلا قيد يقيده، ولا لجام من شرع يكبحه، إهانة بالغة يراها البعيد يومًا حين يُكب على أنفه في نار حارقة، لا يجد له مُنقذًا لا نفسه ولا حميمًا، فهذا يوم حصاد الألسنة، فانتبهى يا حبيبة أن يكون حصادك شوكًا ومرًا يوم يجد آخرون ذكرًا واستغفارًا وكلمًا طيبًا، ومن ثمَّ جنة وريحانًا، وربًا غير غضبان، فاحصدي بلسانك ما تحبين، ومهدي لمكانك كما تشائين، عافاك الله وإيانا من سوء المصير