أفئدة الطير

لنتحرر

آية الشهاوي

  • 24

 

كثيراً ما تُسعدنا كلمة طيبة وهذا فِطري، ولكن الغريب أنْ تهوى بنا كلمة في أعماق الهَم أيَّاماً بل دُهوراً، بإفراط نَتَسَلَّل الحب والرعاية، نشعر بالضياع إذا فقدنا أهلًا أو صديقًا أو حبيبًا، نبذل فوق وِسعنا وإنْ كان فيه إيذاء واستغلال لنا؛ لتبقى تلك العلاقة، لا قرار ولا رأي لنا.

نعمل لإرضائهم لا لإرضاء الله فيهم، نعيش مُعتمدين على هذا وذاك، ليس فقط في سعادتنا، بل حتى في أبسط اختياراتنا ومسئولياتنا، حياة مليئة بالخوف والقلق وعدم الثقة، نسعى للسعادة وترانا أتعس الناس.

لم يقتصر الأمر على اعتمادنا على الأشخاص بل كثيراً ما  نعتمد على الأشياء، أفرَطْنا في الأخذ بها، اعتقدنا فيها حتى عبدناها دون الله، نضطرب إذا ضعفت الأسباب أو انعدمت، إذا حدث لأحدنا مِحنة قبل الاختبار ولم يسِعهُ الأخذ بكل أسباب النجاح هَلَعَ، وآخر مريض إذا بحث عن دوائه ولم يجده أيْقن أنَّ الموت مصيره.

نَسينا أنَّ النجاح والشِفاء بيده سبحانه، وأنه يُحاسب على السعي المستطاع ولا يكلف نفساً إلا وسعها.

ونرثي حقاً قلوبنا إذا اعتمدنا على أنفسنا ومهاراتنا، إذا ظننَّا أنَّ هذه القدرات والإمكانات بذاتها هي ما تُوصلنا إلى القمة، ودونها ينهار كل شيء، يرانا الناس في القمة واثقين بأنفسنا، ولكن لا هذه ثقة ولا تلك قمة..!

نعيش في قاع الخوف والقلق من فقد مهاراتنا، مُعظِّمين صَنَم كِبرنا وإعجابنا بأنفسنا، نعم من المحمود والمطلوب أن يعلم الإنسان ويثق فيما لديه من قدرات وإمكانات وإلا كيف يشكر نعمة الله عليه إنْ جَهِلَها؟

لكن المذموم أن نَغْفَل أنَّ الله هو من حبانا إياها وأنَّ فاعليتها بيد الله، إنْ شاء نفعنا بها وإنْ شاء لم ينفعنا، ولا قيمة لها دون الله، غَفَلنا أنَّها فتنة لم تُؤْتِنَا لِعلمٍ لدينا أو ميزةٍ، ولكنَّها ابتلاء ومسئولية سَنُسأل عنها وإما حجةٌ لنا أو علينا.

فلنتحرر من هؤلاء المخلوقين ولِنَعلم أنَّه الملك، يملكهم ويملك قلوبهم ومشاعرهم، وحبهم ودعمهم لنا بيده سبحانه.. لِنَعلم أنه الأقوى والأعلم والأرحم.. سعادتنا وشقاؤنا بيده، ليس لوجود شخص أو عدم وجوده.. كالطير تغدو باحثة عن رزقها وسعادتها غير منتظرة من يأتيها بهم.

فلنتحرر من الاعتقاد في الأسباب، وأنها تنفع أو تضر بذاتها، متوكلين على الله في كل حال، سُخِّرت الأسباب أم لم تُسخَّر، نعم نأخذ بالأسباب ولكن دون إفراط، ولا تفريط أيضاً فيها، نأخذ بها معتقدين أنَّ الله هو من يأذن لها فتؤثر؛ كالطير تسعى متوكلة على ربها فتغدو خماصاً جياعاً وتعود بطاناً شِباعاً، ولو اعتقدت في الأسباب لتوقفت وما رُزقت مع نِسر.

فلنتحرر من أنفسنا ولنعلم أنَّ الله هو المعطي والمانع، هو من أعطانا هذه القدرات وإن شاء منعها عنَّا، كما سخَّر الجو للطير وأعطاه القدرة على الطيران وما يُمسكه عن السقوط إلا هو وإن شاء تركه، ما أجمل أن نعيش وقلوبنا مرتبطة بالله وحده، لا نُعلق سعادتنا وأرزاقنا على شخص ولا شيء ولا نفس ولا مكان ولا زمان، حينئذ نطمئن ونسعد في الدنيا والآخرة..

فلنَعِش مع الأحرار الذين قال رسول الله عنهم: (يَدْخُلُ الجَنَّةَ أقْوامٌ، أفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أفْئِدَةِ الطَّيْرِ)