هل تعالج المسكنات أزمة لبنان الاقتصادية؟

صندوق دعم فرنسي سعودي إماراتي.. والشعب يئن من تردِّي معيشته

  • 18
صورة أرشيفية معبرة من الأحداث الجارية

رغم الأزمات الكثيرة التي عاشتها الدولة اللبنانية عبر تاريخها بما فيها الحرب الأهلية، لكن كل مؤسسات تلك الدولة لم تشهد واقعًا مريرًا كالذي تعيشه اليوم؛ ولم تُصب بالشلل الحادث اليوم حتى وسط انقسام البلاد شطرين شرقي وغربي إبَّان الحرب الأهلية.

 فمنذ عام 2019م صارت مؤسسات القطاع العام عاطلة عن العمل، أو ربما تعمل بصورة جزئية، ومومن تلك المؤسسات يمس مباشرة قضايا المواطنين، خاصةً الضمان الصحي والمستشفيات الحكومية ودوائر تسجيل السيارات والدوائر العقارية والشخصية ومصالح المياه وإدارات الكهرباء. إضافة إلى اختصار الموظفين حضورهم إلى مكاتبهم ليصير يومين فقط أسبوعيًّا. علاوة على عدم توفر الكهرباء في معظم الإدارات، بجانب أن تقنين استخدام المازوت لا يسمح بتشغيل المولدات، هذا إن وُجدت من الأساس.

أضف إلى ذلك معاناة الإدارات من نقص الأوراق والأحبار، وأصاب نقص القراطيس الجماركَ في مطار "رفيق الحريري الدولي" لدرجة أنه لم يتمكن من تحصيل الرسوم مدة طويلة، حتى إن إخراجات القيد كانت نادرة في الفترة السابقة، وانقطعت الطوابع المالية فترة كبيرة، وكانت بأسعار مضاعفة.

انفجار الأزمة

تصاعدت حدة الأزمة أمس الخميس لدرجة أن سائقي الشاحنات والحافلات وغيرهما سدُّوا طرقًا رئيسة في العاصمة اللبنانية بيروت ومناطق أخرى؛ احتجاجًا على تردِّي الأوضاع المعيشية وفشل السياسيين في حل المشكلات الاقتصادية الخانقة التي يمرون بها، والتي هوت بالليرة العملة المحلية ورفعت الأسعار بصورة مبالغ فيها.

وبدأ العديد من المحتجين بقطع الطرق بالإطارات المشتعلة في مختلف المناطق فجر أمس، وأقفلت معظم الطرق الرئيسة في بيروت بالسيارات والشاحنات اعتراضًا على رفع أسعار المحروقات، وقطع المحتجون جميع الطرق الواصلة بين بيروت وجميع المحافظات اللبنانية. إضافة إلى غلق المدارس والجامعات في جميع المناطق اللبنانية التزامًا بيوم الغضب الذي أعلنه "الاتحاد العمالي العام" و"اتحاد نقابات النقل البري". بجانب الاعتصام أمام مصرف لبنان المركزي تنديدًا بالسياسات المالية والارتفاع الكبير لسعر صرف الدولار، بل إن المحتجين حاولوا اقتحام المبنى، لكن قوات الأمن تعاملت مع الموقف وسيطرت عليه.

لكن مع بداية اليوم الجمعة أعادت قوات الأمن اللبنانية فتح جميع الطرق المغلقة، وأزالت الحواجز وصناديق القمامة التي أغلق بها المحتجون الطرق والميادين الرئيسية في بيروت.

هبوط الليرة

غرقت العملة المحلية في دوامة الهبوط منذ عام 2019م حينما انهار اقتصاد لبنان تحت وطأة الديون الثقيلة، ورغم ذلك فإن مجلس الوزراء الذي تشكّل في سبتمبر الماضي وتعهد بالبدء في إصلاح الاقتصاد، لم ينعقد منذ ثلاثة أشهر وسط جدل كبير بين الفرقاء السياسيين حول مسار التحقيق في انفجار مرفأ بيروت الذي دمّر العاصمة خلال شهر أغسطس من عام 2020م.

وانهارت الليرة بعدما كان التعامل فيها في المتاجر والبنوك بسعر 1500 ليرة للدولار الواحد، حتى انفجار الأزمة في عام 2019م، والآن يجري تداول العملة المحلية في السوق غير الرسمية بأكثر من 31 ألف ليرة مقابل الدولار الواحد؛ لذلك يصعب جدًّا أن يكفي راتب أسرة متوسطة الحال لإطعامها بعدما كان دخلها جيدًا ذات يوم.

صندوق دعم أم مسكِّن؟

أزمة لبنان الداخلية كبيرة جدًّا وأسبابها الرئيسة سياسية واقتصادية، بجانب غياب العدالة الاجتماعية والنزاهة؛ وبالتالي حدث فساد سياسي واقتصادي كبير.. لكن من جانبهم، قررت دولتي فرنسا والسعودية إنشاء صندوق لدعم اللبنانيين وانضمت إليهما الإمارات، لكن المملكة العربية السعودية اشترطت عدم مرور تلك المساعدات المالية عبر الحكومة اللبنانية، بل ستُنفق على مشروعات تساعد الشعب اللبناني مباشرة، وتقديم المساعدات الإنسانية للبنانيين. لكن هذا الصندوق لن يحل المشكلة بمفرده، بل يحتاج إلى تضافر جهود الحكومة اللبنانية واتخاذ قرارات وإجراءات إصلاحية عاجلة وعلى المدى البعيد؛ فصندوق الدعم بمثابة مسكن مؤقت لتلك الأزمة.

ورغم ذلك، لا شيء في الأفق يوحي بأن الأزمة الحالية قد تجد حلًا قريبًا؛ وبِناءً عليه وفي ظل غياب الحل الشامل للمعضلة اللبنانية، فإن مشكلة الإدارات والمؤسسات العامة سوف تستمر فترة طويلة؛ فالحكومة ليست قادرة الآن على زيادة أجور موظفي القطاع العام، علاوة على أن مشروع موازنة العام الجاري 2022م لم يستعد لذلك، ولا الحكومة كذلك قادرة على إجبار هؤلاء الموظفين على الالتزام بدوام عمل عادي بعدما أصبحت تكلفة نقل الموظف الواحد تتخطى المليونين و820 ألف ليرة شهريًّا تقريبًا.

ووسط غياب الدعم المطلوب للنقل العام أضحى استخدام السيارات العمومية فوق قدرة الموظفين، وبخصوص مشكلة الكهرباء والمازوت والقرطاسية فقد صارت مرتبطة هي الأخرى بمفاوضات صندوق النقد الدولي التي تحتاج إلى أشهر طويلة وتنفيذ شروط وإصلاحات لا تتم في وقت يسير.