• الرئيسية
  • الأخبار
  • "ما وراء الستار ".. بوتين يجمع شتات الولايات السوفيتية المبعثرة ويبدأ حرب باردة ثانية

"ما وراء الستار ".. بوتين يجمع شتات الولايات السوفيتية المبعثرة ويبدأ حرب باردة ثانية

  • 1120
بوتين

 بعد اجتماع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مساء أمس مع المجلس الأمن الروسي، قرر بوتين في خطاب أمام الشعب الروسي الاعتراف بالانفصاليين في جمهوريتي دونيتسك ولوغانيسك، كما أكد على عقد اتفاقيات تعاون وصداقة مع الجمهوريتين وما يتجدد لاحقًا، في إشارة إلى تعاون كامل يعني الدفاع وحماية انفصال الجمهوريتين، وكأنها ذريعة واضحة للرجل الذي يعلم الغرب جيدًا سعيه الحثيث لإعادة قوة الاتحاد السوفيتي السابقة، للهجوم على أوكرانيا واجتياحها وضمها عنوة إلى سلطة وسياسة الكرملين في موسكو.

ومنع أي اتصال أو تقارب بين أوكرانيا وبين الولايات المتحدة ودول الناتو، وكذلك توجيه رسالة قوية لدول الشرق، أن روسيا لن تسمح بوجود أمريكي في منطقة دول الاتحاد السوفيتي، كما أنها لن تدع الدول التي انبثقت عن الدب الروسي من أن ترتمي في تحالف غربي أمريكي.

ولعل أحد أهم مخاوف الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية من سياسة بوتين، أنهم يعلمون جيدًا من أن قوة روسيا وانضمام الدول الشرقية إليها مرة أخرى، سيعضد الكتلة الشرقية في مواجهة واشنطن وسيعيد الكيان الروسي كقطبية ثنائية بعدما كانت تسيطر أمريكا وحدها على سياسات العالم منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة عام 1991.

وبالتالي فإن روسيا بقيادة بوتين ستستمر في سياستها بضم صغارها المشتتون بالقوة أو المال، وأمريكا ستسعى جاهدة لمنع ذلك الهدف الروسي، لاسيما وأن روسيا تملكها علاقات قوية للغاية مع الصين وكوريا الشمالية.

وللعلم فإن أزمة أوكرانيا لم تبدأ أمس، بل بدأت في 12 مايو 2014، عندما أعلنت جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك استقلالهما بعدما صوت معظم سكان المقاطعتين اللتين تقعان في حوض دونباس الشرقي في استفتاء عام لصالح الانفصال عن أوكرانيا، وقامت السلطات الأوكرانية وقتها بأعمال عنف كبيرة لسحق الانفصاليين، ووقتها كانت روسيا تنظر إلى جزيرة القرم التي انفصلت عنها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وانضمت إلى أوكرانيا ولكن مع التمتع بالحكم الذاتي، وبالفعل استطاع بوتين إعادة القرم مرة أخرى عبر استفتاء قدمت روسيا الدعم والحماية له.

وبعدما فرغ بوتين من القرم، اتجه لأوكرانيا، خاصة أن أوكرانيا تميل اليوم للمعسكر الغربي بقيادة واشنطن، وقدمت طلب لدخول حلف الناتو -حلف شمال الأطلسي- وهو المؤسسة العسكرية التي تدافع عن أمريكا وحلفائها في أوروبا والشرق الأوسط، ولذلك عجل بوتين بقرار أمس في ظل الدعم الأمريكي الغربي لمساعي أوكرانيا بالإنضمام إليهم

وبعد قرار بوتين أمس بالاعتراف باستقلال الجمهوريتين بدأت التداعيات الفورية للقرار تظهر، إذ ذكرت تقارير إعلامية أن طوابير من العربات العسكرية تشمل دبابات، دخلت في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء إلى ضواحي دونيتسك، عاصمة إحدى المنطقتين الانفصاليتين شرقي أوكرانيا.

وقالت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية إن الاعتراف بالمنطقتين الانفصالين تعني عمليا القضاء على آمال حل الأزمة الحالية وطرحت الأسئلة التالية:

كيف سيرد الغرب؟

حيث حذر حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي من أن الاعتراف بالمنطقتين الانفصاليتين سيكون تصعيدًا كبيرًا في الصراع بين موسكو وكييف، ودعا عدد من المسؤولين الأوروبيين إلى إقرار حزمة عقوبات ضد روسيا، وكان الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ، الأسبوع الماضي، إن الاعتراف بالمنطقتين يمثل "انتهاكا صارخا لوحدة أراضي أوكرانيا وسيادتها" وخرقا للقانون الدولي.

ومع ذلك، يؤكد كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحلف الناتو إنه سيتم فرض العقوبات الكبيرة على موسكو في حالة وقوع هجوم عسكري شامل على أوكرانيا، وليس هناك حتى الآن اتفاق بشأن كيفية الرد على الاعتراف بالمنطقتين الانفصاليتين.

لماذا يحدث هذا الآن؟

منذ أن حشد بوتن عشرات الآلاف من جنوده على حدود أوكرانيا، حذر الغرب من احتمال استعمال دونيتسك ولوغانيسك ذريعة لافتعال الحرب، إما عن طريق استفزاز كييف ودفعها لشن هجوم، أو تدبير هجوم مزيف منسوب إلى كييف بما يسمح بشن الحرب.

وتنفي روسيا خططها للغزو، لكنها أصرت على الحصول على عدد من الضمانات الأمنية من الغرب، مثل حظر انضمام أوكرانيا إلى الناتو وسحب قوات الناتو من دول بشرق أوروبا، إلا أن أمريكا لم تقدم ضمانات.

ولطالما نظرت موسكو إلى دونيتسك ولوغانيسك باعتبارهما بوليصة تأمين في أوكرانيا، وطالبت بأن تكون عودتهما إلى أوكرانيا مصحوبة بحق النقض (الفيتو) ضد قرارات السياسة الخارجية الرئيسية، ولا سيما طلب كييف للانضمام إلى الناتو، وهو خط أحمر بالنسبة لموسكو.

وقالت "فايننشال تايمز" إن اعتراف بوتن بالمنطقتين الانفصاليتين يزيد من خطر نشوب صراع مع كييف، ويظهر قرار بوتن أنه فقد الثقة بالجهود الدبلوماسية لتجنب الصراع مع أوكرانيا، التي قادها بشكل أساسي في الأيام الأخيرة، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وكان ينظر إلى مستقبل المنطقتين على أنه يمثل أساسا مهما للوصول إلى حل وسط في أزمة أوكرانيا، ويبدو أن قرار الاعتراف الروسي ينهي هذا الاحتمال.

وقال عضو مجلس الأمن القومي الروسي والرئيس السابق ديمتري ميدفيديف، إنه يعتقد أن على روسيا المضي قدما بصرف النظر عن مخاطر الصراع وتداعياته، وأضاف في حضور بوتن: "حجم الصراع المحتمل لا يمكن مقارنته بما واجهناه في عام 2008 (خلال حرب جورجيا)، لكننا الآن نعرف ما سيحدث. لقد سمعنا جميع أفكار العقوبات (التي يمكن أن يفرضها الغرب على موسكو)"، وتابع: "لكننا نعرف كيف نحتمل هذا الضغط".

لماذا يكون اعتراف موسكو مهما؟

في الماضي، فضّلت موسكو عدم الاعتراف بالمنطقتين، مفضلة من ذلك ممارسة سيطرة غير مباشرة واستخدامهما وسيلة ضغط في نزاعاتها الأوسع مع أوكرانيا والغرب، ومن المحتمل أن يؤدي الاعتراف إلى نتيجتين أوليتين رئيسيتين. أولاً ، انهيار اتفاقيات مينسك والآمال في حل دبلوماسي للصراع في شرق أوكرانيا.

وقال مسؤولون روس لبوتين في اجتماع مجلس الأمن القومي إنهم يعتقدون أنه لا يوجد احتمال لتطبيق اتفاق السلام بالكامل، مما يعني أنه لا يمنح موسكو أي خيار سوى اتخاذ إجراءات أخرى، بحسب هؤلاء، وثانيا، يعطي قرار الاعتراف بالمنطقتين الكرملين مبررا لإرسال قوات إليهما، وهو ما بدأ بالفعل، وهذا من شأنه أن يزيد من خطر نشوب صراع كامل بين موسكو وكييف.

وثمة مشكلة أكبر، وهي أن قادة دونيتسك ولوغانسك يطالبون بجميع المقاطعات الأوكرانية فيهما، ولم توضح روسيا ما إذا كانت تعترف بمطالبها بالأراضي الواقعة تحت سيطرة كييف.

ولذا فإن اعتراف بوتين أمس يعني بداية الصراع بشكل أكبر وأوضح فيما بين روسيا وأمريكا بشكل عام، واحتدام الحرب بين موسكو وكييف بشكل خاص، وهو ما يقلق دول العالم وعلى رأسهم أوروبا والشرق الأوسط لأنهم أكثر المتضررين.

بوتين