هل نحن على أعتاب نظام جديد في المنطقة العربية؟

  • 28
صورة أرشيفية معبرة

انتهت قمة النقب الأسبوع الماضي التي ضمت وزراء خارجية دول مصر والإمارات والمغرب والبحرين وإسرائيل وأمريكا، لكن هناك تساؤل مهم بخصوص مستقبل المنطقة العربية، لا سيما في ظل التجاذبات والصراعات الدولية، وغياب الرؤية العربية الجامعة التي يُفترض وقوفها حجر عثرة ضد ما سيحدث من تطورات محتملة.

الموقف الأمريكي

اختلفت أهداف كل من شارك في هذه القمة، والإدارة الأمريكية هي التي جمعت تلك الأطراف في وقت ربما تكون له دلالاته السياسية؛ وهو مرور 43 عامًا على توقيع مصر وإسرائيل معاهدة السلام؛ ما يؤكد أن أمريكا ما زالت تلعب دور الوساطة بين العرب والكيان المحتل رغم عزوفها عن التدخل في مسارات عمليات التطبيع منذ فوز جو بايدن بمنصب الرئاسة، وتركت الأمور كما هي عليه ولم تتدخل إلا بعد المواجهات بين حركة "حماس" والكيان المحتل؛ زار بعدها أنتوني بلينكن وزير الخارجية المنطقة، وتجول في فلسطين والأردن ومصر وإسرائيل دون تقديم رؤية أو تصور عملي واضح.

لكن هذه المرة –قمة النقب- جاء فيها بلينكن للمنطقة العربية حاملًا معه تخوفات بلاده من إقدام دول عربية كبرى كمصر والسعودية والإمارات على بناء شراكات حقيقية وجديدة تتجاوز ما كان قائمًا في الماضي من علاقات، وجاء أيضًا برسالة مهمة لتأكيد شكل وحجم الشراكة الأمريكية مع هذه الدول، وهو أمر سيأخذ بعض الوقت فيما إذا كانت الدول العربية ستندمج في شراكات جديدة فيما بينها أم أنها ستعود إلى الدائرة الأمريكية؟

في الوقت الذي تغازل فيه واشنطن العواصم العربية وتحاول كسبها في صفها خاصة في ظل الحرب الروسية الأوكرانية؛ فقد بدأت منذ أسابيع في توجيه رسائل بقبول إمداد القاهرة بصفقة طائرات "إف 15" التي رفضتها سابقًا طيلة أعوام ماضية. بل إن الإدارة الأمريكية لا تزال تتعامل مع كل دول عربية بمعزل عن الأخرى؛ حيث إنها منحت قطر عضوية الحليف من خارج "الناتو" وهذا يعد رفعًا لمكانتها دون غيرها من الدول.

إدارة واشنطن تتخوف من وجود تحالفات عربية مؤثرة ضد إيران وطموحاتها في المنطقة تخرج من العباءة الأمريكية، خصوصًا في الوقت الذي يدور الحديث خلاله عن الاتفاق النووي مع طهران. وفي المقابل تخشى الدول الخليجية زيادة قوة إيران العسكرية والاقتصادية، ومن ثَمَّ زيادة تدخلاتها في شؤون الدول المجاورة عن طريق مليشياتها المسلحة كما يحدث في اليمن وسوريا والعراق ولبنان؛ ما يهدد أمن دول الخليج وهو ما بات واضحا مع كثرة هجمات الحوثيين على السعودية خلال الفترة الماضية.  

مراوغة واشنطن

يتسم الموقف الأمريكي –خلال الفترة الماضية- بالمراوغة تجاه الدول الخليجية وإسرائيل أيضًا؛ وهذا ما جعل الكيان المحتل يتحدث عن خيارات فرادية وإجراءات أمنية مستمرة، والعمل في مسارات متعددة؛ ما قد يدفعها إلى مواصلة أعمال العدائية خلال الفترة المقبلة سواء في فلسطين أو غيرها، وعدم الإنصات للتهدئة الأمريكية والرد في أي وقت وفق حسابات الكيان الأمنية. وفي الواقع العربي لم تعد هناك أية تحفظات رسيمة في التعامل مع إسرائيل؛ وهذا يؤكد أننا على وشك العيش وسط مناخ جديد يتشكل ويرتبط كثيرًا بما هو قادم من تطورات على أمن الإقليم، وسط حالة التباين بين العرب وإسرائيل من جانب، وأمريكا من جانب آخر؛ وهو ما سيؤسس لشراكة مباشرة بين العرب وإسرائيل تبعًا للمصالح المشتركة مستقبلًا. فهل سيكون هناك تحالف مصري أردني عراقي، أم عربي إسرائيلي؟

هل الوقت مناسب؟

الأردن لم يحضر قمة النقب بسبب ارتباطات وتفاهمات أمنية وسياسية مع فلسطينية، لكن في الوقت نفسه التقى الملك عبد  الله الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ويبدو أن دولًا عربية مهمة مثل مصر والأردن لن ينخرطا في سياق ما تخطط له أمريكا، وربما يقبلان بالتنسيق مع إسرائيل في إطار ثنائي أو متعدد؛ وهذا قد يزعج واشنطن التي ما زالت تريد التحكم في عناصر الموقف كاملًا، وإدارة المشهد من أعلى وَفْقَ مصالحها وتصوراتها؛ وهذا الأمر تدركه جيدًا الدول العربية خاصة مصر التي أعلن وزير خارجيتها رسميًّا عدم وجود تحالف ضد أحد، وأن الأولوية لخيار حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية، في حين تحدثت حكومة الكيان المحتل عن تطور بلادها في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والمجالات العلمية عمومًا، ولم يكن هناك أي حديث عن الأمن أو السياسة بل كانت عبارة عن لقاءات واجتماعات فقط.

دار الحديث الأمريكي مرارًا عن الدعم فلسطين، وتقديم المساعدات والمعونات لإعاشة شعبها، لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في مجرد حلول ومساعدات إنسانية، بل في حلول اقتصادية وسياسية وأمنية عاجلة، وكذلك والالتزام بمقررات عملية السلام مع الكيان المحتل، وإعلان دولة مستقلة تعيش إلى جوار الشعب الإسرائيلي، وبدون ذلك لن يحدث أي تقدم في الملف الفلسطيني؛ وهو ما تدركه إسرائيل جيدًا.

ضمن إطار ما يجري حاليًّا سيكون المطروح من الناحيتين الأمنية والاستراتيجية بين العرب وإسرائيل مرتبطًا ببناء ثقة بين جميع الأطراف، لكن في الوقت نفسه سيكون هناك تشكك من التعجل الأمريكي في تنفيذ صيغ الأمن المشترك والمباشر بين الدول العربية وإسرائيل، لا سيما في ظل انخراط تل أبيب ضمن سلسلة مناورات عسكرية عربية إسرائيلية؛ وهذا الوضع سيفرض تغييرًا في الرؤية العربية للمخاطر الإقليمية بعد سنوات من اعتبار إسرائيل دولة معادية، وها هي الآن تتحول –حسب الواقع العملي- إلى دولة يجري استيعاب دورها في نظام أمني في المنطقة. إضافة إلى دخول تل أبيب ضمن التحالف الدولي البحري لمواجهة التهديدات والمخاطر البحرية؛ ما سوف يمنحها دورًا مهمًّا فيما يخص أمن الموانئ والممرات البحرية العربية، بصرف النظر عن طبيعة وحجم التهديدات، علاوة على استمرار إسرائيل في مفاوضات ترسيم الحدود مع لبنان بشأن منطقة "بلوك 9" بوساطة أمريكية؛ كل ذلك يؤكد سعي تل أبيب إلى إيجاد نمط معاملات جديد مع الدول العربية المجاورة.

ومن أجل ما تقدم تدرك أمركيا وإسرائيل أن الوقت مناسب لطرح رؤيتهما الأمنية والسياسية في أمن المنطقة العربية، وسط تخوفهما من إقدام مصر والجزائر والأردن والعراق على صياغة مفهوم جديد للأمن القومي العربي، وهو ما أكدته فكرة التحالف الثلاثي العربي بعد اجتماعهم الأسبوع الماضي؛ ولو تم هذا التحالف سيكون في مواجهة ما تخطط له واشنطن وتل أبيب، بل ربما يعطل مسار المساعي الإسرائيلية لبناء تحالفات أمنية واستراتيجية مع دول الجوار العربي. 

صورة أرشيفية معبرة