ارتباط أمن إيران المائي بالداخل ودول الجوار

  • 12
صورة أرشيفية معبرة

تحظى قضايا الأمن المائي بأهمية كبيرة واهتمام لدى قيادات الدول، وتعد قضايا الأمن المائي أكثر القضايا أهمية ليس فقط ما ترتبط بتغير المناخ ولكن بالسياسات الدولية المتبعة من أجل التكيف مع التغيرات المناخية، إضافة إلى أن تأثيرات الجغرافيا السياسية لتقاسم موارد المياه العابرة للحدود تنعكس من خلالها.

احتجاجات العطش

وإيران إحدى هذه البلدان التي تنعكس فيها العلاقة بين جميع المتغيرات التي تؤثر في الأمن المائي،سواء  الداخلية منها أو الخارجية؛ فخلال السنوات الأخيرة شهدت احتجاجات كثيرة في عدة مدن ومحافظات أُطلق عليها "احتجاجات العطش". وتوجد عدة عوامل توضح حالة الجفاف التي تعاني منها بعض محافظات إيران التي انعكست بدورها على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمواطنين. فثلًا تعاني إيران بالطبع من تأثيرات التغير المناخي، وعلى جانب آخر هناك سوء إدارة للموارد المائية في البلاد؛ ونتيجة لهذا المزيج الخطير من التأثيرات المناخية ومشكلات سوء الإدارة المائية، فإن التحديات المتعلقة بالمياه لم تهدد الحياة فقط بل نتج عنها احتجاجات واضطرابات وعنف وزيادة عدم الاستقرار الداخلي. ويمكننا الاستدلال على ذلك بما حدث في احتجاجات محافظتَي خوزستان وأصفهان.

فقد نتج عن الانخفاض المستمر تدريجيًّا في نسب سقوط الأمطار -بجانب الجفاف الشديد- انخفاض كبير في إمدادات المياه خلال العقود الماضية. وفي الوقت ذاته تجاوز الطلب على المياه الحد الأقصى كي تروى محاصيل تكفي احتياجات البلاد من الغذاء، وهي السياسات التي اتبعتها الحكومة الإيرانية لتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، كنوع من اقتصاد المقاومة بعد عام 1979م وخلال السنوات الأخيرة أيضًا ردًّا على العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي؛ وبِناءً عليه شكَّل الري نسبة 90% من استخدامات المياه في البلاد. بالإضافة إلى أن هناك استخدامًا غير فعال ومتزايد لإمدادات المياه في المناطق الحضرية وبناء الكثير من السدود، وهي احتياجات خارجة عن نطاق الري بل بغرض توليد الطاقة الكهرومائية، بالتزامن مع حدوث جفاف للأنهار والبحيرات الرئيسة وانخفاض مستويات المياه الجوفية في إيران.

العلاقات بالدول المجاورة

ورغم أن الأزمات المائية داخلية فإنها تؤثر على العلاقات السياسية مع البلدان المجاورة، وأكبر دليل على ذلك علاقة طهران بالدول المجاورة لا سيما أفغانستان والعراق؛ بالنسبة للعراق فقد قللت إيران وعطلت تدفقات أربعة أنهر -هي: (سيروان وكارون والكرخة والوند)- كان في إمكانها الصب في حوض نهرَي دجلة والفرات؛ وبالتالي نتج عن ذلك انخفاض تدفقات المياه إلى العراق طوال الطريق في اتجاه مجرى النهر وحتى أهوار جنوب العراق وشط العرب؛ وبذك تعد العراق نموذجًا حيًّا وعمليًّا لتأثيرات سياسات إيران المائية على دول المصب.

لم يقف الأمر عند ذلك فحسب، بل امتد ليطال العلاقات مع دول المنبع مثل أفغانستان، التي أصبحت أكثر تعقيدًا، ويمكن أن يزداد الوضع سوءًا في ضوء طبيعة العلاقات مع حركة "طالبان" التي تحكم أفغانستان في الوقت الحالي؛ فرغم إحراز تقدم في التفاوض على تحسين وزيادة التعاون بخصوص الأنهار المشتركة بين الطرفين، دائمًا ما يلقي المسؤولون الإيرانيون باللائمة على أفغانستان مدعين أن سياساتها المائية سبب في الأزمة المائية التي تعاني منها بلادهم. وكثيرًا ما تتهم إيران أفغانستان بخفض تدفقات  نهرَي "حريرود" و"هلمند" وانتهاك الاتفاقات الثنائية بين البلدين، وغالبًا ما أُبلغ عن اشتباكات على حدود البلدين بين المزارعين الأفغان وشرطة الحدود الإيرانية بسبب موارد المياه المشتركة؛ وبِناءً على ذلك ومع تصاعد احتجاجات العطش في إيران، تندلع توترات طويلة المدى مع كابول بخصوص سد "كمال خان" على منبع نهر "هلمند".

ازدواجية طهران

وكلما صعدت إيران من لومها على أفغانستان بشأن تخزين المياه؛ فإن ذلك يعد محاولة لصرف الأنظار عن قضايا تسعير المياه وسياسات الإدارة الإيرانية غير الفعالة بخصوص موارد المياه؛ بمعنى أنه في الوقت الذي تتهم فيه إيران جارتها أفغانستان بتخزين المياه، فإنها تصرف النظر عن بنائها سدود على روافد نهر دجلة الذي يتدفق إلى العراق، وهو بطبيعته يعاني من مشكلات ندرة المياه الخاصة به؛ ومن ثم تزداد معاناة العراق من الجفاف، ويلقي باللوم على إيران وتركيا في مشكلاته المائية.

ويعود سبب الخلاف بخصوص المياه بين طهران وكابول إلى التنازع على مياه نهر "هلمند"، وهو نزاع مستمر منذ أكثر من قرن. و"هلمند" أطول نهر في أفغانستان، ينبع بالقرب من مدينة كابول العاصمة في سلسلة جبال "هندو كوش" الغربية، ويتدفق في اتجاه جنوب غربي من خلال مناطق صحراوية لمسافة تقدر بـ 1100 كيلومتر قبل أن يصب في بحيرة هامون التي تقع على الحدود مع إيران، ويقع الجزء الأكبر من البحيرة في الأراضي الإيرانية.

 

وتُعد "هامون" أكبر بحيرة للمياه العذبة في إيران، وتعتمد عليها بنسبة كبيرة في الأنشطة البيئية والاقتصادية. وتتهم إيران أفغانستان بانتهاك حقوقها المائية بادعاء أن كمية المياه المتدفقة إلى طهران أقل كثيرًا من الكمية المتفق عليها خلال عام 1973م. وبدورها ترفض كابول هذا الاتهام. ومع بناء حكومة أفغانستان سد كمال خان على نهر "هلمند" الواقع على الحدود مع إيران، ادعت طهران أن السد سيقلل تدفق نهر هلمند بنسبة كبيرة. وقد تعهد الاتحاد الأوروبي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أبريل عام 2020م بتقديم 10 ملايين يورو كدعم مالي لإيران؛ من أجل تحسين جودة حياة السكان لمدة خمس سنوات مقبلة.

قد تدفع أزمة المياه الحكومة الإيراينة إلى انتهاج سياسات تنموية تسمح بالإدارة المستدامة للموارد المائية ومعالجة تغير المناخ؛ وهذا يحتاج إلى سياسات الحوار والتعاون ومنع النزاعات كي تعالج عدم الاستقرار المتزايد المرتبط بمشكلات المياه. وربما يحدث ذلك مع أفغانستان لكنه مستبعَد بخصوص العراق التي تعدها إيران ساحة نفوذ وهيمنة سياسية وعسكرية لها؛ وقد نتج عن سياسات إيران المهيمنة على المياه  إلى تدهور وضعف المحاصيل الزراعية في العراق؛ ما اضطر بغداد إلى الاستيراد من طهران؛ وبالتالي فإن ذلك من مصلحة إيران، وبِناءً عليه توجد شكوك كبيرة بخصوص جديتها في إيجاد حل مناسب لإدارة أزمة تدفق الأنهار إلى العراق.

صورة أرشيفية معبرة