كيف يمكن إنهاء الأزمة السياسية العراقية؟

  • 16
صورة أرشيفية معبرة

لا تزال النقاشات مستمرة ومتواصلة بخصوص العروض المقدمة من مختلف الكتل السياسية العراقية للمستقلين من أجل تشكيل حكومة جديدة، كمحاولة لوجود موقف موحد للنواب المستقلين داخل البرلمان، لكن تلك المحاولات تواجه العديد من العوائق لا سيما ما يرتبط بتعريف "المستقلين" واستطاعتهم تشكيل كيان موحد في المجلس النيابي.

ورغم الحديث المستمر عن وصول حوالي 48 نائبًا مستقلًّا إلى البرلمان في الدورة الحالية، فهناك تشكيك في مدى استقلالية الكثير منهم، خاصة النواب الذين لديهم ميل واضح إلى الكتل السياسية التقليدية كالتيار الصدري أو الميليشيات الموالية لإيران. ولا ينوقف استخدام كلمة "المستقلين" على النواب الذين رُشِّحوا منفردين دون انضمامهم إلى قوائم أو أحزاب، بل تشمل تلك الكلمة القوى الجديدة التي شُكلت بعد الاحتجاجات التي حدثت خلال شهر أكتوبر من عام 2019م مثل حركة "امتداد"، بجانب القوى الكردية المعارضة وعلى رأسها كتلة "حراك الجيل الجديد" التي يقودها شاسوار عبد الواحد.

مناورات سياسية

رغم تبني مختلف القوى الجديدة خطابًا إصلاحيًّا واضحًا، فإن الكثير ممن يندرجون تحت مسمى "المستقلين" يتبنون خطابًا يتماهى مع توجهات سياسية معروفة. وهناك حديث يدور بين الناشطين البارزين في التظاهرات العراقية حول غياب الأمن، بجانب الملاحقات والاغتيالات المستمرة المتهم فيها أطراف لهم صلات بطهران، التي أسهمت بنسبة كبيرة في عزوف الشخصيات المستقلة الحقيقية عن الانتخابات الأخيرة، الذين يقدر عددهم بنحو 30 نائبًا كحد أقصى، وهم الذين يبتعد حديثهم عن خطاب الأحزاب التقليدية والفصائل المسلحة ويتبنون مطالب المحتجين؛ ما أفسح المجال أمام شخصيات ذوي علاقات بالفصائل لاستخدام صفة الاستقلالية من أجل الاستحواذ على كراسي في البرلمان. وهذه الشخصيات توصف بـ "شخصيات الظل" لأنها تعلن الاستقلال لكن مواقفها تُظهر ميلًا إلى أحزاب وكتل سياسية تقليدية؛ ومن هذا المنطلق فإن هدف مبادرة التيار الصدري أو القوى الموالية لإيران هو المناورة لا الحسم وإيجاد حل حقيقي للأزمة السياسية.

فرصة ذهبية

جاءت مبادرات التيار الصدري و"الإطار التنسيقي" بعد انقضاء سلسلة من الجولات التي لم ينتج عنها تمكن أي طرف منهما من إتمام مشروعه السياسي؛ ففي حين فشل تحالف "إنقاذ وطن" في إمرار جلسة انتخاب رئيس الجمهورية 3 مرات بسبب مقاطعة التيارات التابعة لإيران لها، لم تتمكن كذلك قوى "الإطار التنسيقي" –رغم انضمام معظم القوى التابعة لطهران- من عمل أي تحالفات تمكنها من تشكيل الحكومة المقبلة بعد مهلة الـ40 يومًا التي حددها مقتدى الصدر. 

وربما يكون السبب في اكتساب النواب المستقلين زخمًا كبيرًا داخل البرلمان الحالي هو انضمام حوالي 20 نائبًا منهم إلى جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في يوم 26 مارس الماضي؛ ما جعل النواب المستقلين سببًا أساسيًّا في حسم مشكلة تغليب طرف على الآخر. ويبدو أن الهدف من مبادرات الطرفين هو كسب أكبر عدد ممكن من النواب المستقلين بحيث يتمكنون من حسم الجولة القائمة. وتبدو هذه هي المرة الأولى التي يكون فيها المستقلون داخلي البرلمان ورقة حسم ملف تشكيل الحكومة؛ ما يحتم استغلال تلك الفرصة وتكوين رؤية سياسية خاصة بهم لطرحها أمام الأطراف السياسية المختلفة. 

ورغم قلة واقعية مبادرات التيار الصدري و"الإطار التنسيقي"، فإن السياق الوحيد الذي يمكنه إحداث تغيير في المعادلة السياسية سيكون من خلال مبادرة المستقلين لتشكيل رؤية خاصة بهم يطرحونها على الأطراف السياسية المختلفة. والانسداد السياسي الحالي يعد بمثابة فرصة ذهبية للمستقلين من أجل فرض أوجه نظرهم على الأطراف السياسية التقليدية، إضافة إلى أن طرح القوى المستقلة مبادرة في الوقت الحالي سيجعلها كأنها قطب ثالث ضمن حوارات تشكيل الحكومة المقبلة. وربما يكون العائق أمام المستقلين بخصوص وجود دور حاسم لهم في تشكيل الحكومة المقبلة هو استسلامهم لفكرة انضمامهم لأحد التحالفين؛ مما حولهم إلى أداة استثمار سياسية بين التيار الصدري والإطار التنسيقي. 

مبادرة "الصدر"

وعلى بعد أيام قليلة من انتهاء مهلة زعيم التيار الصدري لـ"الإطار التنسيقي"، توالت مبادرات الطرفين إلى النواب المستقلين لترشيح رئيس الوزراء المقبل؛ مما يعد مفاجأة كبرى قد تسهم في تغيير ملامح العملية السياسية وحل الأزمة الراهنة. ومبادرة "الإطار التنسيقي" ليست مُغايرة لمطالباته المتواصلة منذ الانتخابات الماضية؛ فرغم تضمنها اقتراحًا بتقديم النواب المستقلين مرشحًا لتشكيل الحكومة المقبلة، اشترطت نيل المرشح دعم جميع الكتل الشيعية. وكثيرًا ما تحدثت قوى "الإطار التنسيقي" عن حق المكوِّن الأكبر عن طريق تماسك البيت الشيعي كمساحة وحيدة لتشكيل الحكومة العراقية، كما هو معتاد منذ أول حكومة دائمة بعد عام 2003م. 

ومما يقلل أهمية مبادرة "الإطار التنسيقي" للمستقلين- لا سيما القوى المنبثقة عن أجواء الاحتجاجات العراقية- هو عدم التطرق لأي نقاط خلافية واعتراضية لدى هذه القوى على الميليشيات المنضمة لتحالف الإطار التنسيقي، وكذلك عدم تطرقها للملفات الشائكة خاصة ما يتعلق بالاغتيالات والقمع والاتهام بالفساد. 

وفي مواجهة عرض التيارات التابعة لإيران، قدم مقتدى الصدر كذلك عرضًا للنواب المستقلين، ورغم وصفه بأنه أكثر وضوحًا من عرض الموالين لطهران فإنه جاء بمثابة رد فعل على عرض الإطار التنسيقي. وجاء في عرض الصدر أن يشكل المستقلون الحكومة المقبلة إذا تمكنوا من جمع كتلة عبارة عن 40 نائبًا على الأقل، ولا تضم أي نائب من "الإطار التنسيقي". وقد يجعل هذا العدد من النواب تحالف "إنقاذ وطن" يصل إلى مستوى الـ 220 نائبًا الذي يؤهله إلى تحقيق نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية دون الاحتياج إلى أي توافقات مع "الإطار التنسيقي". 

ورغم تضمن مبادرة الزعيم الصدري تأكيدات بأنها جاءت بعد موافقة الحزب الديمقراطي الكردستاني" وتحالف "السيادة"، فإنها لم تشتمل إلا على تنازل من "الصدريين" عن حقائبهم في الحكومة المقبلة، ولم تتضمن مبادرته أي نقاط خلافية بين جماهير القوى المستقلة والتيار الصدري، لا سيما ما يرتبط بالقمع خلال الاحتجاجات الشعبية التي جرت في أكتوبر 2019م وكذلك الاتهامات بالفساد؛ ما يشكك في مدى جدية المبادرات المعلنة من مختلف الأطراف السياسية.


صورة أرشيفية معبرة