لماذا تخشى أمريكا والغرب تطوير الصين قدراتها النووية؟

  • 16
صورة أرشيفية معبرة

منذ عدة عقود والصين تسير بخطى حثيثة نحو التقدم في المجالات كافة، لا سيما ما يتعلق بالتكنولوجيا والاتصالات والعلوم العسكرية، ولم يغب عن عينيها التقدم النووي لكنها اكتفت طوال تاريخ برنامجها النووي بالاحتفاظ بقدرات نووية محدودة، وخلال الآونة الأخيرة ضاعفت قدراتها النووية بطريقة أذهلت الغرب وأقلقته أيضًا، فلماذا يخشى الغرب من تنامي قوة بكِّين النووية؟

وبسبب ذلك فقد شهدت جلسة استماع نادرة بمجلس الشيوخ الأمريكي "الكونجرس" منذ أيام قليلة مناقشات حامية بين أعضائه بهذا الخصوص، وحضر تلك الجلسة تشارلز ريتشارد رئيس القيادة الاستراتيجية الأمريكية المشرفة على الترسانة النووية الأمريكية. ولفت ريتشارد خلالها إلى أن بلاده تواجه تحديًا كبيرًا لم تشهده إلا مرات قليلة طوال تاريخها، يتمثل في خطورة الردع النووي المتزايد مع مررو الوقت في ظل تصاعد قوتي روسيا والصين النوويتين إضافة إلى بلدان أُخر.

ورغم مرور نحو ثلاثة عقود على انتهاء كابوس الصراع النووي المباشر بسبب الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فإن الحرب الحالية بين روسيا وأوكرانيا أعادت الخوف من خطورة هذا التصعيد النووي مرة أخرى عندما هددت موسكو باستخدام السلاح النووي لردع غريمتها التقليدية الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الغربية المتحالفة معها عن التدخل لدعم كييف. لكن ما يقلق واشنطن والغرب حقًّا في الوقت الحالي هو طموح الصين نحو زيادة قدراتها النووية لدرجة تصير معها قوة نووية عظمى، خاصة بعدما كشفت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" بناء بكِّين المئات من صوامع الصواريخ الباليستية النووية.

برنامج الصين النووي

ويعود تاريخ البرنامج النووي الصيني إلى حقبة الستينيات من القرن الماضي، اكتفت خلالها فقط بالاحتفاظ بقدرة نووية محدودة تزيد قليلًا على 200 رأس حربي نووي؛ كنوع من الاحتفاظ بقدرة الردع النووي المحدود عند تعرضها لأي هجوم عسكري. وقد أعلنت بكِّين هذا الهدف بالفعل بأنها تنتهج استراتيجية نووية للدفاع عن نفسها، لكن في الآونة الأخيرة وفي ظل التغيرات الدولية العالمية تعهدت الصين بتطوير وتقوية قدراتها النووية؛ ما حدا بواشنطن إلى إطلاق تحذيراتها من أن بكِّين تتبنى سياسة الغموض النووي بخصوص عدد الرؤوس النووية لديها، وكذلك وسائل إطلاقها من الصواريخ الباليستية والغواصات والصواريخ فرط -فوق- الصوتية، علاوة على وجود خطط لديها لاستخدام القطارات فائقة السرعة لنقل ونشر أسلحتها النووية؛ لا سيما بعدما أعلنت موسكو وبكِّين عن تحالفهما غير المحدود قبيل الحرب الحالية في أوكرانيا؛ ما يدفع بترجيح تغيُّر العقيدة النووية الصينية من الدفاع إلى الهجوم أو على أقل تقدير الاستعداد جيدًا للهجوم.

صراع تكنولوجي نووي

حافظت الصين دومًا على اتباع سياسة العلن وعدم المبادأة باستخدام السلاح النووي، مع بقاء قدراتها النووية عند الحد الأدنى من الردع الذي تقتضيه المصلحة العليا للبلاد وأمنها القومي، إضافة إلى تأكيدها أنها الدولة النووية الوحيدة التي تعهدت بعدم البدء باستخدام الأسلحة النووية ضد أعدائها، وعدم استخدام سلاحها النووي في ردع الدول غير النووية بالمنطقة، وتشديدها على أنها لا تدخل في سباق نووي مع أمريكا، ولا تسعى لبناء ترسانة تضاهي ترسانة واشنطن النووية. وهذا ما لفتت إليه وثيقة الورقة البيضاء الصادرة في عام 2019م التي تخص الاستراتيجية الدفاعية الصينية، والتي نصت على أن الصين لن تعتمد على سياسة التصعيد النووي لإنهاء حروبها التقليدية إذا حدثت في المستقبل.

لكن مع ذلك فإن بكِّين أعلنت مؤخرًا –على لسان رئيسها شي جين بينج- اتباع نهج التحديث والتطوير النووي خلال الفترة من عام 2021 إلى 2025م؛ بهدف زيادة قوتها العسكرية الرادعة لبناء قوة عسكرية عالمية بحلول منتصف القرن الحالي؛ وبذلك ستتمكن من ردع أي هجوم وخوض الحروب وتحقيق النصر فيها، وبالطبع لكي يتحقق ذلك فإنها تحتاج إلى قوة نووية عالمية؛ وهذا من شأنه أن يقلق واشنطن وحلفاءها. وبما أن الصين تسعى لتحديث قدراتها النووية فإنها ستقدم على إجراء تجارب نووية جديدة بالتزامن مع التطوير المستمر لقدراتها الصاروخية، بل كل ما يشمل قوتها العسكرية. ومما يشجع الصين على نهجها الجديد زيادة الصراع الدولي حولها، بجانب تنامي بعض القوى النووية مثل كوريا الشمالية حتى وإن كانت حليفة لبكِّين، فإن سياستها أوضحت وأكدت أيضًا أن واشنطن لا تحترم إلا خصومها الأقوياء فقط.

قوة بكِّين النووية

تأتي الصين في المرتبة الثالثة على مستوى العالم من ناحية عدد الرؤوس الحربية النووية التي تملكها، والتي تتراوح ما بين 200 - 350 رأسًا حربيًّا نوويًّا، وقد تتمكن بكِّين من امتلاك نحو 700 رأس نووي حربي بحلول عام 2027م حسب توقعات أحدث تقرير صادر عن "البنتاجون"، وربما تمتلك نحو 1000 رأس نووي حربي على الأقل بحلول عام 2030م. وبطبيعة الحال لا يتوقف التطوير وزيادة القدرات النووية على الرؤوس النووية الحربية فقط، بل يمتد هذا التحديث غلى كل ما يخدم تلك العملية كالصواريخ ومنصات إطلاقها، وقد نجحت بكِّين خلال الصيف الماضي في اختبار أول سلاح صيني أسرع من الصوت، إضافة إلى تشييد بنية تحتية ضرورية لدعم هذا التوسع وتطوير القدرات العسكرية، وسيشمل ذلك قدرتها على إنتاج "البلوتونيوم" وفصله عن طريق إنشاء مفاعلات توليد سريعة ومنشآت لإعادة المعالجة، وبناء مئات الصوامع الجديدة للصواريخ العابرة للقارات، وإطلاق الأقمار الصناعية التي تخدم تلك الأغراض.

والصين حاليًّا لديها مجموعة كبيرة من أنظمة الصواريخ الباليستية المتوسطة والعابرة للقارات، علاوة على أنها بنت ما لا يقل عن 250 صومعة للصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وأطلقت قمرًا صناعيًّا في شهر فبراير العام الماضي. وبالطبع سيشمل هذا التحديث قدراتها الجوية عمومًا، وهي بالفعل تمتلك مجموعة كبيرة من القاذفات التي يمكنها نقل وإطلاق صواريخ "كروز"، ولديها أكبر عدد من السفن والغواصات على مستوى العالم، بما في ذلك الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية من نوع "جين 094"، التي تستطيع حمل وإطلاق حوالي 12 صاروخًا باليستيًّا من طراز "JL-02 "، وهو نوع من الصواريخ مزوَّد برأس حربي نووي.

وفي الوقت الحالي تطور الصين بالفعل جيلها الجديد من غواصات "جين- كلاس 096" والصواريخ الباليستية "JL-03" التي تُطلق من الغواصات، وتمتاز الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية عن الأنظمة التقليدية بزيادة قدرتها على التخفي ويمكن نشرها بسرعة ولفترات أطول بكثير؛ وبِناءً عليه ستتمكن بكِّين من شن ضربات انتقامية خاطفة وسيصعب على الولايات المتحدة الأمريكية تحديد موقع الأسلحة النووية المحمَّلة على تلك الغواصات وتعقبها. ولا ينبغي نسيان انتقادات الصين للمخزون النووي الأمريكي الذي يصل إلى 5500 رأس نووي حربي؛ مما يؤكد النظرة القائلة بتسارع وتيرة التسلح النووي العالمي، خاصةً في ظل رفض بكِّين الانضمام لمحادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية.

 

صورة أرشيفية معبرة