ساعةُ الرّحيلِ

م/ جلال مرة

  • 113

من علامات معرفة الله أن يتعلق القلب به –سبحانه- ولا يتعلق بالشواهد الدالّة عليه؛ لذلك قال ابن القيم –رحمه الله- في مدارج السالكين (من علامات المعرفة أن يبدو لك الشاهد وتفنى الشواهد)؛ فعندما تنظر إلى الإبل أو السماء أو الجبال أو الأرض أو غيرها فالقلب يتعلق بالله إجلالًا وتعظيمًا ومحبة وخوفًا؛ قال تعالى (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) ولكن البعض يظلّ متأملًا في الطبيعة وجمالها وصفائها لا مُشاهدًا لقدرة الله وعظمته؛ بل ويتغنّى في النيل والصباح والنسيم وغيرها من الشواهد وينسى الشاهد وهو الخالق -عز وجل-.

ولقد رأيت خلال زيارتي لدولة كينيا أن مجموعة من الأوروبيين يقومون بتصوير الطيور والحيوانات طوال اليوم منبهرين بالطبيعة؛ وهذا تضييع للأعمار في الانشغال بـ (الشواهد)؛ لكن المؤمن الموحّد عندما ينظر إلى هذه الطبيعة يبكي قلبه لقدرة الله وعظمته وأمره ونهيه في الكون فتزداد العبودية في قلبه؛ فالشواهد عند العبد المؤمن تحرّك عينيّ قلبه وتُظهر له الحقائق الإيمانية.

ثم يقول ابن القيم بعد أن تفنى عند العبد الشواهد (تنحل العلائق؛ وتنقطع العوائق؛ وتجلس بين يدي الربّ تعالى؛ وتقوم وتضطجع على التأهّب للقائه كما يجلس الذي شدّ أحماله؛ وأزمع السفر على التأهّب له ويقوم على ذلك ويضطجع عليه؛ كما ينزل المسافر في المنزل فهو قائم وجالس ومضطجع على التأهّب).

كالذي يسافر بالطائرة ويلزمه العبور أو المرور بمطار إحدى الدول أو ما يسمى بـ(ترانزيت) فهو خلال انتظاره بالترانزيت يكون متأهّبًا لـ(ساعة الرحيل) ويتابع نداء المطار في كل تعليماته حتى لا تفوته الطائرة؛ فهو يظل في كل أحواله متأهّبا للسفر ومستعدا له؛ فهو قائم أو جالس أو مضطجع في تأهّب تام ودائم إلى السفر؛ فما بالك بالسفر إلى الله والدار الآخرة!

واعلم أخي الكريم أن "صدق التأهّب" للقاء الله من أنفع ما للعبد في حصول استقامته؛ فصدق التأهب يحرق موضع الشهوات في القلب ويوصلك إلى حقيقة الالتزام والاستقامة في الأقوال والأفعال والأحوال.

فهذا "الصدق" جاء من معرفة العبد بالله؛ وتلك المعرفة جاءت من الذكر؛ فالذكر شجرة تثمر المعارف؛ وهذا ليس كلامًا يُقال أو دعوى تُدّعى أو شهادة من جاهل بحالك يشهد على ظاهرك فالله يعلم ما في البواطن.. فانتبه.

واعلم أيضا أن الْوُصُول إِلى الاستقامة مَوْقُوف على هجر العوائد وقطع الْعَوَائِق والعلائق؛ هي نوازع قلبية وصراع قلبي بداخلك؛ فالاستقامة لها أسباب ومعادلات كونية قدرية لا يمكن تبديلها؛ فيجب أن تنحل العلائق بينك وبين الشهوات، مثل: الطعام والنساء مثلا والتي صارت وكأنها (عهدٌ قلبي) وأنت مُلزم نفسك به؛ فالعلائق تنحل طالما انشغلت بالشاهد وهو الله عن الشواهد الدالّة عليه.

فإن من استعد وتأهّب للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا وما فيها؛ وخمدت من نفسه نيران الشهوات؛ وأخبت قلبه إلى الله؛ وعكفت همته على الله وعلى محبته وإيثار مرضاته؛ ووُلد ولادة أخرى تكون نسبة قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار.

لذلك فإن مفتاح جميع الأعمال الصالحة والأحوال الإيمانية ومقامات السالكين إلى الله ومنازل السائرين إليه من اليقظة والتوبة والإنابة والمحبة والرجاء والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعمال القلوب والجوارح إنما هو بصدق التأهب والاستعداد لساعة الرحيل ولقاء الله؛ فهذا هو طريق الحياة حتى تلقى الله -عز وجل-.

ساعةُ الرّحيلِ