ماذا يحدث في أوكرانيا.. روايات تؤكد تقدم كييف في الحرب مقابل هروب روسي

  • 60
الفتح - القوات الأوكرانية

منذ بداية الحرب الأوكرانية في 24 فبراير الماضي وحتى أيام قريبة كانت روسيا صاحبة اليد الطولى في تحقيق عدة انتصارات على الأراض، وسيطرة بالفعل على شرق أوكرانيا بما في ذلك إقليم دونباس ومدن خيرسون وماريوبول وغيرها بالإضافة إلى غالبية السواحل الشرقية وتقدمت في عدة مدن وقرى أوكرانية، إلا أن الأيام الماضية شهدت تأكيدات إعلامية أن الحرب تشهد تحولًا ناحية الجانب الأوكراني، وأن جنود أوكرانيا استطاعوا استعادة آلاف الكيلو مترات من قرى ومدن أوكرانية من قبضة موسكو، ونحن هنا نتحدث فقط عن رواية أوكرانية للمشهد يررددها الغرب وتأكيدات بأنها تحقق تقدم كبير أمام انسحاب روسي في الشمال والشرق والجنوب الأوكراني، ونشرت كييف صور جنودا أوكرانيين وهم يرفعون علم بلادهم في عدد من المناطق التي استعادوها من قبضة الروس مثل مدينة إزيوم في محيط خاركيف وبلدات أخرى مثل كيندرا شيفكا وشكالوفسكي وفيليكي كوشوفاخا.

وكتبت صحيفة "واشنطن بوست"، أن القوات الأوكرانية أحرزت تقدما ميدانيا وصفته بالمفاجئ، ونقلت عن الأهالي في خاركيف عن "هروب" القوات الروسية من المنطقة، وأن الجنود الروس خرجوا متنكرين حتى يكونوا على هيئة "السكان المحليين"، تفاديا لأن يتعرضوا لانتقام، فيما قيل إنهم وضعوا أسلحتهم أرضا وغادروا.

ورغم التأكيد الأوكراني على تلك الانتصارات، لم يرد أي ردود روسية على تلك الأخبار حتى هذه اللحظة، بالإضافة إلى أن بعض الأوكران يرون أن تلك المكاسب وإن حدثت فهي مجرد أراضي شاسعة فارغة غير مضمونة تستطيع روسيا معاودة الهجوم والسيطرة عليها، فيما يرى خبراء أن روسيا لن تترك مكاسبها بذلك اليسر إلا إن كانت استراتيجية لأمر أكبر.

وفي ذلك السياق، قال السفير أحمد القويسني مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن المعركة بين روسيا والفريق الغربي أمريكا وأوروبا وليس أوكرانيا وحدها، مضيفًا أن الحرب في أوكرانيا علامة فاصلة؛ فاذا انتصرت روسيا فيها فإن السيناريو مرشح للتكرار في الجوار الأوروبي واذا انتصر الغرب معناها استباحة دائمة للأمن القومي الروسي.

وأوضح مساعد وزير الخارجية في تصريحات خاصة لـ"الفتح"، أن روسيا تواجه أفضل ما أنتجته الترسانة الحربية في أوروبا بالإضافة لدعم الأقمار الصناعية وخبرة عملياتية من العسكريين في الغرب وعلى رأسها الجيش الأمريكي، وبالتالي هناك تفوق في بعض منظومات السلاح الأمريكي مثل صواريخ هيماروس الأمريكية التي تستطيع بلوغ داخل الأراضي الروسية، وقدرة استطلاع استراتيجي من الأقمار الصناعية الأمريكية زمنيًا وعلى ساحة المعركة في الشمال والشرق والجنوب.

وأشار الدبلوماسي السابق إلى أن بوتين لا يستطيع خسارة الحرب وإلا ستتلوها خسارة معركة داخلية وهي منصبه ووجوده، مضيفًا أن بوتين يدافع عن أمنه الشخصي ووجود على قمة الحكم في روسيا.

وعن أنباء التقدم الأوكراني لفت إلى احتمالية تدمير أوكرانيا لبعض مخازن السلاح الروسية البعيدة عن أرض المعركة باستخدام الصواريخ الأمريكية، بالإضافة لوطنية وبسالة الجنود الأوكران الذين يدافعون عن بلادهم، موضحًا أن روسيا تتعامل مع الحرب على أنها عملية عسكرية محدودة وليس حرب وطنية كما الأمر عند أوكرانيا، وأن بعض الكتائب والفرق الروسية تقوم بعملية خارج بلادهم وليس حرب.

وأشار القويسني إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يعلن الحرب على أوكرانيا حتى هذه اللحظة، إنما أعلن من البداية أنها عملية عسكرية في أوكرانيا ولو أعلنها حرب سيتغير الأمر على الأرض كثيرًا.

وأكد السفير السابق، أن الاستراتيجيات والأهداف على المستوى المتوسط والأقل تتغير كل يوم وصعب التنبأ والتأكد من أخبار كثيرة يحملها الجانبين، موضحًا أن روسيا والغرب يشنان حملات عسكرية مكثفة وحملات دعائية، والحقيقة على الأرض  أن روسيا مستحيل أن تلقى هزيمة وإلا سيتغير وجه العالم بتغيرات شديدة داخل موسكو نفسها.

وعن عامل الطاقة، نوه الدبلوماسي السابق بأن القاعدة أنه لا يمكن تعويض واردات الغاز الروسي من أي مصدر أخر للعالم وأنه ستظل أوروبا في حاجة للغاز الروسي، مضيفًا أنه رغم شراسة واتساع جرأة العقوبات إلا أن الطرف الروسي استطاع بذكاء استغلال العقوبات وتحويلها لمكاسب، لافتًا إلى أن أوروبا ستشهد شتاء لم تشهده من قبل وسيزيد التضخم والبطالة.

وشدد القويسني على وجود عدة عوامل ستضغط على أوكرانيا في الشتاء بشكل سلبي، أولها أن روسيا عسكريًا واقتصاديًا قادرة على التماسك بشكل أطول ولديها أسواق بديلة لثرواها من النفط والغاز والذهب، كما أن أوكرانيا ستتأثر بالشتاء في الحرب لأنها لن تأخذ غاز روسيا، مضيفًا أن تصاعد الاعتراضات الشعبية في أوروبا على دعم كييف في ظل المعاناة الاقتصادية وارتفاع أسعار الطاقة مما أثر على التدفئة والتضخم مثل ألمانيا وفرنسا وتوقف المصانع والشركات سيحد من قدرة الحكومات على دعم كييف.

وقال غريب أبو الحسن عضو الهيئة العليا والمجلس الرئاسي لحزب النور والباحث في علوم الإدارة، إنه مع قدوم فصل الشتاء القارص في أوروبا قطعت روسيا إمدادات الغاز عن المدافئ الغربية التي تعتمد بشكل أساسي على غاز موسكو وإمداد خط نورد ستريم منذ سنوات وكانت تنتظر بداية تشغيل نورد ستريم 2.

وأوضح عضو الهيئة العليا لحزب النور في تصريحات خاصة لـ"الفتح"، أن الحظر الروسي للطاقة؛ دفع الدول الأوروبية لاتخاذ إجراءات تقشف قاسية لم تمارسها منذ أزمنة بعيدة من قطع التيار الكهربائي بعض الفترات وبعض الأماكن وتحديد حد للمكيفات في المؤسسات الحكومية لا يتجاوز ١٩ درجة وغيرها.

وأشار أبو الحسن إلى أن هذا الحصار الروسي حتم على الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا تقديم مزيد من الدعم للجيش الأوكراني تجاوز ١٣.٥٠ مليار دولار على شكل دفعات من شحنات الأسلحة، مضيفًا أن الغرب يفكر في مد أوكرانيا بأسلحة متوسطة وبعيدة المدى، مشيرًا إلى أن هذا الأمر كانت ترفضه الدول الأوربية وأمريكا تمامًا لتخوفها من رد الفعل الروسي وتوسيع دائرة الصراع ودخول أسلحة نوعية في الحرب. 

وأكد الباحث أن الدعم السخي الغربي للجيش الأوكراني أدى إلى تطوير أوكرانيا صراعها مع روسيا والتحول من وضع الدفاع للهجوم فقد استعاد الجيش الأوكراني مساحات كبيرة من مدينة خاركييف وضواحيها مما سبب إحراجًا للجيش الروسي، لافتًا إلى أنه في الوقت الذي تحتفل وسائل الإعلام الأمريكية بالنجاح الأوكراني تنفي وسائل الإعلام الروسية هذه المزاعم وتقول لازلنا موجودين في خاركيف 

ونوه أبو الحسن أن الانتصارات الأوكرانية تبقى محصورة في منطقة جغرافية محدودة بالنسبة لساحات المعارك ولازالت الغلبة الميدانية للقوات الروسية ولازال قرابة ربع الأراضي الأوكرانية تحت السيطرة الروسية وما يحدث هو حلقة من حلقات الصراع وجولة من جولات عض الأصابع بين روسيا والدول الغربية.

فيما يؤكد المهندس أحمد الشحات مساعد رئيس حزب النور للشئون السياسية، والباحث في الشئون السياسية، أن الحرب الروسية الأكرانية من الحروب التي تعتمد على سياسة النفس الطويل بمعنى أنها ليست حرب من الممكن أن تحسم من جولة واحدة، مضيفًا أن روسيا بما لديهم من ترسانة عسكرية قوية ومسلحة وقدرات على الحرب طويلة.

وأوضح الباحث في الشأن السياسي في تصريحات خاصة لـ"الفتح"، أن أمريكا وأوروبا التي تدعم أوكرانيا تعتمد على نفس السياسة، أنه لن ينتصر أحد عسكريًا في النهاية، وأن الأكثر قدرة على دفع الضريبة الاقتصادية هو من سينتصر في النهاية.

وأشار الباحث إلى أن الحرب يبدو أنها ستحسم بالمفاوضات ولكن المفاوضات يلجأ إليها الأطراف المتصارعة بعد التأكد المشترك أن الاستمرار في المواجهات المسلحة مكلف وضريبته باهظة، مؤكدًا أن الطرف الأقل تضررًا يبقى هو الذي يستطيع أن يملي شروطه على الطرف الأخر

وقال الشحات إن هذه المعركة لن تنتهي فيما يبدو بين  كاسب وخاسر، ولكنها ستنتهي باتفاق بعض الأطراف يمكن أن يكون قد حقق فوائد أفضل من الطرف الاخر، مضيفًا أن الاجتياح الروسي لم يفلح في ابتلاع أوكرانيا كما كان متصور وأوكرانيا لم تستسلم بسهولة والغرب حتى الآن لم يترك أوكرانيا وحدها كما كان متصور. 

واستطرد الباحث بأن الغاز الروسي حتى الآن سلاح مؤثر ولكن ليس حاسمًا في المعركة بعد ما قرر بوتين قطع الغاز الروسي عن أوروبا، لافتًا أن هناك تكهنات بأن الشتاء القادم سيكون موعد حسم الحرب نتيجة لما ستعانيه أوروبا وأوكرانيا نفسها من نقص في إمدادات الغاز والطاقة بشكل عام مما سيؤثر على الوضع الأوكراني في مواجهة الغزو الروسي. 


الفتح - القوات الأوكرانية