• الرئيسية
  • الأخبار
  • أستاذ الشريعة الإسلامية واللغة العربية بكلية دار العلوم سابقا: لم ينقل عن أحد من سلف الأمة التوسل بالأموات والمقبورين

أستاذ الشريعة الإسلامية واللغة العربية بكلية دار العلوم سابقا: لم ينقل عن أحد من سلف الأمة التوسل بالأموات والمقبورين

  • 168
الفتح - الشيخ أحمد مصطفى المراغي، أستاذ الشريعة الإسلامية والعربية بكلية دار العلوم

انتشرت في الآونة الأخيرة بعض الأقوال التي تزعم صحة التوسل بالأموات والمقبورين وأن في ذلك تقرب إلى الله وزيادة رجاء في قبول الدعاء، وكأن دعاء الله لا يصح إلا بأخذ واسطة بين العبد وبين ربه.


وجاء في كتاب "تفسير المراغي" للشيخ أحمد مصطفى المراغي، أستاذ الشريعة الإسلامية واللغة العربية بكلية دار العلوم سابقا، [المجلد 6/ 109 -112]، و[13/ 49]: "أما التوسل إلى الله بصالح عباده، كقولهم: اللهم بجاه فلان عندك، أو بحق فلان أو برحمته، أسألك أن تفعل كذا، فلم ينقل عن أحد من سلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء".


وهذا ما ورد في الكتاب:

قال الشيخ أحمد بن مصطفى المراغي: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) اتقاء الله هو اتقاء سخطه وعقابه بعدم مخالفة دينه وشرعه، والوسيلة ما يتوصل به إلى مرضاته والقرب منه واستحقاق مثوبته فى دار الكرامة.

روى ابن جرير عن قتادة أنه قال فى تفسير الآية أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه،

وروى أحمد والبخاري وأصحاب السنن من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء- الآذان- اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، حلت له شفاعتى يوم القيامة»

وروى أحمد ومسلم من حديث عبد الله بن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علىّ فإنه من صلى علىّ صلاة صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا لى الوسيلة، فإنها منزلة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون هو، فمن سأل لى الوسيلة حلت عليه الشفاعة» .

وبهذا يعلم أن هذه الوسيلة هى أعلى منازل الجنة، فمن دعا الله تعالى أن يجعلها للنبى صلى الله عليه وسلم كافأه النبي صلى الله عليه وسلم بالشفاعة، وهى دعاء أيضا والجزاء من جنس العمل.

(وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ) الجهاد من الجهد وهو المشقة والتعب، وسبيل الله هى طريق الحق والخير والفضيلة، وكل جهد فى الدفاع عن الحق وحمل الناس عليه فهو جهاد فى سبيل الله.

أي جاهدوا أنفسكم بكفها عن أهوائها، وحملها على النّصفة والعدل فى جميع الأحوال، وجاهدوا أعدائى وأعداءكم، وأتبعوا أنفسكم فى قتالهم ومنعهم من مقاومة الدعوة. (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي افعلوا كل هذا رجاء الفوز والفلاح، والسعادة فى المعاش والمعاد والخلود فى جنات النعيم.

وبعد فلم يؤثر عن صحابى ولا تابعي ولا أحد من علماء السلف أن الوسيلة هى التقرب إلى الله تعالى بغير ما شرعه الله للناس من الإيمان والعمل كالدعاء ونحوه.

ولكن جدّ فى القرون الوسطى التوسل بأشخاص الأنبياء والصالحين أي جعلهم وسائل إلى الله تعالى والإقسام بهم على الله، وطلب قضاء الحاجات ودفع الضر وجلب النفع منهم عند قبورهم أو بعيدا عنها، وكثر هذا حتى أصبح الناس يدعون مع الله أصحاب القبور فى الحاجات أو يدعونهم من دون الله، وألّف بعض الناس كتبا فى هذا، وزعم أنهم يسمعون ويستجيبون للداعى، وشغف العامة بمثل هذا القول المخالف لقول الله تعالى: «فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً» وقوله: «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ» وقوله: «وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ» والذي عليه المعول فى ذلك أن لفظ التوسل يراد به أحد معان ثلاثة:

(1) التوسل إلى الله بطاعته والتقرب إليه بفعل ما يرضيه، وهذا فرض حتم وبه جاءت الشرائع وهو أس كل دين.

(2) التوسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدعائه وشفاعته كما كان الصحابة يفعلون، وهذا كان فى حال حياته، ولهذا قال عمر بن الخطاب: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا» أي بدعائه وشفاعته، ويوم القيامة يتوسل المؤمنون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته.

(3) التوسل بالله بمعنى الإقسام بذاته، وهذا لم تكن الصحابة تفعله فى الاستسقاء ونحوه لا فى حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولا بعد مماته لا عند قبره ولا بعيدا عنه، ولا يعرف هذا فى شىء من الأدعية المأثورة عندهم، وإنما ينقل شىء من ذلك فى أحاديث ضعيفة أو عمن ليس قوله حجة، وقد قال أبو حنيفة وأصحابه: إن مثل هذا لا يجوز، وقالوا لا يسأل بمخلوق ولا يقول أحد أسألك بحق أنبيائك، ولا ينبغى لأحد أن يدعو الله إلا به، وكرهوا أن يقال بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك لأنه لا حقّ للخلق على الخالق.

والخلاصة- إن الوسيلة ما تتقرب به إلى الله وترجو أن تصل به إلى مرضاته، بما شرّعه لتزكية نفسك، وقد دل كتاب الله فى جملته وتفصيله على أن مدار النجاة والفلاح هو الإيمان والعمل الصالح كما قال تعالى: «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى. ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى» وقال: «لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى» وقال: «هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» .

نعم دلت السنة على أن دعاء المؤمن لغيره قد ينفعه، وثبت أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على إيمان عمه أبى طالب فأنزل الله عليه «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» .

والخلاصة- إن العمدة فى تقرب الإنسان إلى الله وابتغاء مرضاته هو إيمانه وعمله لنفسه، فإذا لم يعمل لنفسه ما شرعه الله وجعله سبب فلاحه، فهل يكون قد ابتغى إليه الوسيلة بطلب الدعاء من بعض عباده المكرمين أو طلبه منهم بعد موتهم أن يشفعوا له أي يدعوا له.

كلا إن الطلب من الميت غير مشروع فضلا عن أنه لا يعلم إن كان مقبولا أو غير مقبول، فإن ذلك من أمور الآخرة «وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ» .

وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم فى ذلك كله ضعيف بل موضوع،

وحديث الأعمى الذي علّمه أن يقول: «أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمة»

لا يصلح حجة فى هذا الباب، لأنه إنما توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: «اللهم شفّعه فىّ»

وقد رد الله عليه بصره حين دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك من معجزاته صلى الله عليه وسلم. تفسير المراغي (6/ 109- 112). 


ومن درس تاريخ الأمم الماضية والحاضرة عرف كيف طرأ الشرك على الأمم، وسرى فى عبادتهم سريان السّم فى الدّسم؟

"قال ابن القيم فى إغاثة اللهفان": وما زال الشيطان يوحى إلى عبّاد القبور منهم، أن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء لها والإقسام على الله بها مع أن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه أو يسأل بأحد من خلقه- فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى دعائه وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثنا تعلق عليه القناديل والستور، ويطاف به ويستلم ويقبّل ويحجّ إليه ويذبح عنده، فإذا تقرر هذا عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيدا ومنسكا، ورأوا أن ذلك أنفع لهم فى دنياهم وأخراهم، وكل هذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم من تجديد التوحيد وألا بعبد إلا الله اه.

أما التوسل إلى الله بصالحى عباده كقولهم اللهم بجاه فلان عندك أو بحق فلان أو بحرمته أسألك أن تفعل كذا فلم ينقل عن أحد من سلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء، وما أخرجه الطبراني من حديث فاطمة بنت أسد من قوله (بحق نبيك والأنبياء من قبلى) فقد طعن فيه رجال الحديث، على أنه ليس فيه إلا الدعاء بحق النبيين فحسب، وهو ما فضّلهم الله به على غيرهم من النبوة والرسالة وما وعدهم به من التمكين والنصر، على أن حقوق الرسل وصلاح الصالحين ليست من أعمال السائل التي يستحق عليها الجزاء ولا رابطة تربطها بإجابة سؤاله)). [13/ 49]